جذوري ريفية ما يعني ببساطة أنني لست متصالحًا مع أجواء المدينة المألوفة لأهلها من زحام وضجيج وتلوث، وقد قيض الله ليّ أن أقيم رفقة صديق عزيز في منطقة شعبية تجاور جامعة القاهرة، وتشتهر باستئجار الطلاب غالبًا لحجرات مفردة أو مشتركة في بعض من منازل أهلها الراغبين في ذلك، كانت هذه تجربتي الأولى في السكن بالعاصمة كبديل وحيد متاح عن جحيم السفر لمحافظتي ذهابًا وعودة لستة أيام أسبوعيًّا لظروف العمل- نعم لن أغضب منك لو نعتني بالمعتوه لتحملي وضعًا مأساويًّا كهذا-.

لكن المحصلة كانت تجربة حياتية وإنسانية مؤثرة امتدت لما يقارب عام ونصف العام، وسجلت في وقت سابق – بعد رحيلي عن الحي والبلد كلها للخارج- انطباعاتي عنها، كما تراءت لعين عابر لا مقيم كأهل المنطقة.

 
1- الحميمية الناشئة عن الصخب الذي لا ينقطع، فالهدوء المتكلف الذي يسم ما توصف بأنها مناطق راقية لا معنى له هنا، فما بين رائح وغاد وهابط وصاعد وطرق وزعيق عليك أن تكيف أوضاعك يا عزيزي.

2- فقه التعايش النابع من وعي فطري بأننا نتساند على بعضنا، مهما بدا البعض منا منزويًّا أو منكفئًا على ذاته ومكتفيًا بها عن الآخرين.

3- الجدات العجائز يفترشن مساحات صغيرة أمام أبواب البيوت، زادهن تذكر ما مضى، والرضا بالحاضر، والأمل في عدل الله القريب، ليس لهن يفكرن وإنما للأبناء والحفدة.

4- الأم المصرية الأصيلة، المعجزة الباقية في عصرنا بعد أن انقضى عصر النبوات والمعجزات، تهادن زوجها وتتحمله، تسير أمورها بالنزر اليسير أو المنعدم، وتعلق فرحتها بنجاح الولد، أو زواج البنت، على يقين لا يتزعزع بأن: ربنا ما بينساش حد يا باشمهندس، أبتسم وألوح بيدي مودعًا، مفتون أنا بهن، وبقدرتهن على محايلة الواقع، والصبر على قسوة الحياة، ولست والله يا حاجة مهندسًا ولا طبيبًا.

5- الشباب الحائر، أحلام بعضه موزعة بين فوز فريقه ببطولة، وخروجة مسروقة مع الحبيبة المتوقعة أو المنتظرة أو البين بين، وحصوله على وظيفة محترمة من أي نوع، بدلًا عن القعدة.

– وحشة القعدة يا باشمهندس، والوقفة لبيع المخلل دهوه أهون منها بكتير.

 

نظراته ونحن نتساير في انتظار أذان المغرب كانت حزينة، وبي كما بغيري ما يكفيني، ابتسمت وداعبته ولم أتركه إلا مبتسمًا، اقتنصنا لحظة فرح وسط سرمدية الحزن البادي دومًا بلا أجنحة، تساعده على الرحيل عنا ولو لأيام.

 

6- ضحكات البنات وهن يتغامزن على المار بجوار الأبواب، أو تحت الشرفات المتداعية، كلهن يحلمن بذات الرداء وبعين المصير، بساطة الحلم تؤلم حينما يستعصي على التحقيق، بنات الأحياء الشعبية لهن خصوصية فيم يتصل بالطموح، الأنوثة وفقط رأس مال الكثيرات، العريس وفقط والشقة وفقط والخروج من هذا الحيز الخانق حيث تتابع الصباحات كالدموع الباردة وفقط، فقط هذا ما يطمحن إليه.. الوظيفة المرموقة، تحقيق الذات، الاستقلالية… إلخ، كل هذا متروك لبنات الكليات لا بنات الدبلوم.

 

– ربنا مقسم الأرزاق يا باشمهندس، واحنا راضيين بس بابن الحلال.

ملحوظة جانبية:- كونك ترتدي نظارة طبية، فهذا يؤهلك بلا مؤهل فعلي للحصول على أي من الألقاب الآتية فورًا “باشمهندس، دكتور، باشا، برنس” لو احتفى المتكلم بشخصك الكريم، أما لو انقطع حبل الود فستتحول مباشرة لـ”يا أسطى”، ولو كان المتكلم محايدًا ومهذبًا في آن فالأرجح أنك ستلقب بـ”يا أستاذ” ونقطة ونكمل.

– ربنا يسهلك الحال يا دكتور، دكتور ياريت مترجعش البلد بنت الوس… دي تاني، كانت هذه وصيته الأخيرة لي ولم ألقاه بعدها.

8- جارتي العجوز التي أبادلها التحية والمحبة والاعتزاز ولم أعرف إلى الآن اسمها، عيدة السيدة الجريئة ذات اللسان الطويل والقلب الطيب، تؤجر وأختها العجل لأطفال المنطقة الصغار في تحد لأثقال الحياة بقروش قليلة لا تأتي إلا لتُنفق، العجوزان الطيبتان الرابضتان كالقدر أمام دكان البقالة الصغير.

الشاب الأسمر النحيل الذي لا يمل من ترديد ابتهالات النقشبندي وطوبار، ولا يفارق عتبة الزاوية الصغيرة مؤمنًا تمام الإيمان بأنها ستكون نقطة انطلاقه لاحتراف الإنشاد الديني

مترو جامعة القاهرة، ضجيج الأطفال المتقطع، الشتائم والبذاءات التي يطلقها البعض بأريحية الجيرة والعشم، ويستقبلها آخرون بابتسامات أو بغضبات مصطنعة سرعان ما تزول.

كل هذا، وكل هؤلاء، قد لا يمثلون لي إلا جزءًا صغيرًا من الصورة الكبيرة لحياتي التي تتشكل برغبتي حينًا ورغمًا عني أحيانًا في متاهة الزمن وحدود الأمكنة.
إلا أن هذا الجزء الصغير، مثل لي طيفه المراوغ بهجة حقيقية، ومنحني قدرًا من المشاركة الوجدانية لأهلي وعشيرتي “هه فاكرين!” من المصريين الأصلاء البسطاء، فكان لزامًا عليّ أن أسطر ولو بضع كلمات عرفانًا بفضل لم يذكروه، وإقرارًا بحق لهم عليّ لم يدعوه، وتذكرة لي ولهم، وأنا الراحل قريبًا وهم الباقون أبدًا، بأن شيئًا ما يا جماعة، شيئًا ما وغلاوتكم عندي سيبقى بيننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بهجة, مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد