مرّ معنا في الحلقة الماضية، أن خصوم الشيخ على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، يتهمونه بجملة من الاتهامات والافتراءات غير المؤسسة، والتي يمكن لكل متجرد للحق كشف بطلانها – كما ذكرت سابقًا- بالرجوع إلى مؤلفاته وفتاواه المنشورة على موقعه، ومن أشهر هذه الاتهامات التي أشيعت مؤخرًا، عقب نشره للكلمة الشهرية رقم (125)؛ المعنونة بـ«تسليط الأضواء على أنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّة لا يَنتسِبُ إليه أهلُ الأهواء»؛ اتهامه بتكفير الجزائريين، أو السعي إلى تفريق جماعتهم، وكذا اتهامه بالولاء والتبعية لأطراف خارجية، إضافة إلى الخروج عن نهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي أسسها الشيخ الكبير: عبد الحميد بن باديس -عليه رحمة الله تعالى-.

وسأحاول في هذه الحلقة بيان بطلان تلك التهم، وأوجه الافتراء على الشيخ فيها؛ إنصافًا ودفاعًا عن الشيخ، وبيانًا للحق، والله المستعان.

1- اتهامه بالتكفير: إن القارئ المنصف لكتب الشيخ وفتاواه ومقالاته التي تضمنها موقعه على شبكة الإنترنت؛ يكتشف بكل سهولة زيف هذه التهمة وبطلانها؛ ذلك أن الشيخ – حفظه الله- قرر في غير موضع براءته من التكفير، وتحذير الشباب منه؛ قال حفظه الله: «وإنِّي أبرأ إلى الله تعالى مِنْ تهمة التَّكفير، والتَّنظيم، والزَّعامة، وغيرِها ممَّا أنا منها بريءٌ براءةَ الذِّئب مِنْ دمِ ابنِ يعقوب – عليهما السَّلام- وعليه فكُلُّ مَنْ جَرَتْ على لسانه ـ طعنًا وظلمًا في شخصي ومنهجي ـ فلا أجعله في حِلٍّ، وأنا خصمُه يومَ القيامة» (انظر كلمته الشهرية الأخيرة (رقم: 126) بعنوان: تبيين الحقائق للسالك لِتَوقِّي طُرُق الغواية وأسبابِ المهالك)، ومن كتبه ومقالاته الدالة على براءته من هذه التهمة جملة وتفصيلًا: «منصب الإمامة، أحكام وضوابط»، و«منهج أهل السُّنَّة في الحكم بالتَّكفير بين الإفراط والتَّفريط»، و«توجيه الاستدلال بالنُّصوص الشَّرعيَّة على العذر بالجهل في المسائل العقديَّة»، و«مجالس تذكيريَّة على مسائل منهجيَّة»، و«عدَّة الدَّاعية إلى الله»، و«شرف الانتساب إلى مذهب السَّلف»، وغيرها مِنَ المؤلَّفات والنَّصائح التي كانَتْ فيها دعوة الشيخ – حفظه الله- حائلًا دون فتنة الرَّبيع الدَّامي، التي تولَّى كِبرَ تأجيجِ نارِها مَنْ لا يُريد بالأُمَّة خيرًا، وحاديًا بكثيرٍ مِنَ الَّذين صَعِدوا الجبالَ على النُّزول وتسليمِ أَنْفُسِهم، وحاجزًا مانعًا دون الْتِحاقِ كثيرٍ مِنَ الشَّباب الجزائريِّ بالدَّواعش؛ والحمدُ لله على توفيقه وحُسنِ عونه. (انظر: الكلمة الشهرية الأخيرة: هامش رقم: 06)

2- اتهامه بالسعي إلى تفريق الجزائريين: وهي تهمة من أبطل الباطل؛ ذلك أن من أهم معالم دعوة الشيخ – حفظه الله- دعوته إلى التوحيد والسنَّة، ونبذُه ما يُضادُّهما، وهما أصلان عظيمان؛ إذ هما لب دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم- وبهما يتحقق الاجتماع، فإنَّ أعظمَ ما يدعو إليه الدعاةُ هو الدعوة إلى الأصلين الشريفين، والمنبعين الصافيَيْن، وهما دعوة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- المختصرة في قولهم: ﴿أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ﴾ «المؤمنون: 32»، وكذا التنفير ممَّا يخدشهما ويضادُّهما مِن الشركيات والبِدَع، فالأولى تقدح في التوحيد والثانيةُ في المتابعة، وقد كرَّس الشيخ ـ حفظه الله- وقتَه وطاقته لتحقيق ذلك، ولقي في سبيل ذلك معاداةً وأذًى شديدين مِن المخالفين والمناوئين المبغضين لدعوة الحقِّ، إلى أن وصل بهم الحقدُ إلى أن شنُّوا حملاتٍ مسعورةً، مِلْؤُها الكذبُ والزور وبترُ الكلام في الصحف اليومية؛ لتشويه سمعته، وتأليب العامَّة عليه، ولكنَّ ذلك لم يَثْنه عن السير على منهج دعوة الأنبياء، وما زالت فتاواه ورسائلُه على ما كانت عليه مِن صفاء العقيدة وسلامة المنهج. (انظر ترجمة الشيخ على موقعه في الشبكة العنكبوتية). وجاء في كلمته الشهرية الأخيرة ما نصه: «أمَّا دعوَى جمعِ شملِ الجزائريِّين، وتوحيدِ صفِّهم، وإصلاحِ ما فَسَد مِنْ شئونِ دِينهم ودُنْيَاهم، فلا يمكن أَنْ يتحقَّق على يدِ جماعةٍ، أو فِرقةٍ، أو أنظمةٍ، أو دعوةٍ يُوالون عليها ويُعادون، ولا تقومُ إلَّا على العقيدة الإسلاميَّة الصَّحيحة التي جمعَتْ سلفَنا الصَّالح بالإخلاص والمتابعة؛ فبِها أَعزَّ اللهُ الإسلامَ والسُّنَّة، وجَمَع شَمْلَ المسلمين، وأَظهرَهم على الشِّرك والمشركين، وأنقذهم مِنْ حيرة الشَّتات والفُرْقة، ومِنْ موجة التَّمزُّق والضَّعف والهوان التي اجتاحَتْه بعد تَغلغُلِ المذاهب المُنحرِفة؛ فنَشَر فيها العدلَ والقسط، وعمَّ البلادَ الرَّخاءُ والأمنُ تحت راية التَّوحيد والسُّنَّة. وعليه، فإنَّ كُلَّ دعوةٍ إلى التَّضامن بين أفراد الأُمَّة، إذا لم ترتكز على التَّوحيد والسُّنَّة ـ إخلاصًا ومتابعةً ـ ولم يَسِرْ أصحابُها على المنهج السَّويِّ فهي دعوةٌ مصيرُها الفشلُ والتَّلاشي، وهي آيلةٌ إلى الانهيار والسُّقوط لا مَحالةَ؛ إذ لا تقوم وحدةُ المسلمين وصفوفِهم تحت شعاراتٍ غيرِ شرعيَّةٍ أو جوفاءَ، أو دَعَواتٍ مُخالِفةٍ للتَّوحيد مُناهِضةٍ للسُّنَّة، أو مُسايِرةٍ لأدران الوثنيَّة والبِدَع والخرافات، أو قائمةٍ على أوضار الجهل وسنن الجاهليَّة؛ وهذه هي طريقةُ أهل السُّنَّة والجماعة».

3- اتهامه بالولاء والتبعية لأطراف خارجية: وعلى رأسها اتهامه بالوهابية، أو المدخلية والجامية؛ وهي سنة قديمة ماضية عند أهل الأهواء؛ أنَّهم إذا أَبصَروا مُوحِّدًا، مُتمسِّكًا بالكتاب والسُّنَّة، وعلى هديِ سَلَفِ الأُمَّة، يدعو إلى الله على بصيرةٍ بالحكمة والموعظة الحسنة، عادَوْه ورمَوْه بالعظائم عن قوسٍ واحدةٍ رميةَ رَجلٍ واحدٍ، وأغلقوا عليه جميعَ منافذ الدَّعوة وأبوابها، وجرَّدوه مِنْ كُلِّ وسائل العمل الدَّعْويِّ إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، وخشيةَ افتضاحِ أمرهم وصفوه بالتَّشدُّد والتَّزمُّت والتَّكفير ـ كما هي عادتُهم ـ ووَصَموه بالوهَّابيَّة والجاميَّة والمدخليَّة وغيرها؛ وهُم يعلمون أنَّ الإمام الشَّيخ محمَّد بنَ عبد الوهَّاب ـ رحمه الله- والشَّيخ محمَّد أمان علي الجامي ـ رحمه الله- والشَّيخ ربيع بن هادي عُمَيْر المدخلي ـ حفظه الله- وغيرهم، كُلُّهم مِنْ أهل السُّنَّة والجماعة، يَدْعون إلى التَّوحيد الخالص، ويَنصرون السُّنَّةَ المحضة، ويَقمعون الشِّركَ والإلحاد والبِدَع، ولم يَدَّعِ أحَدٌ منهم العصمةَ لنفسه، بل هم بَشرٌ يُصيبون ويُخطِئون، إلَّا رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم- وهُم لا يَدْعُون لحظوظِ أَنْفُسِهم ومَصالِحِ دُنْيَاهم، وإنَّما يَدْعون إلى اتِّباعِ كتاب الله وسنَّةِ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم- وما اتَّفَقَتْ عليه الأُمَّةُ؛ فهذه أصولٌ معصومةٌ دون ما سِوَاها.

علمًا بأنَّ جمعيَّة العلماء الباديسيَّة الأصيلة التي يدعي بعض من افترى على الشيخ ورماه بهذه التهم الانتماء إليها – زورًا- نافحَتْ عن الشَّيخ محمَّد بنِ عبد الوهَّاب ـ رحمه الله ـ ودافعَتْ ـ في زمانها ـ عنه في عدَّةِ مقالاتٍ دفاعًا قويًّا، وهذا كُلُّه مبثوثٌ وثابتٌ في مقالاتهم وآثارهم؛ قال أبو يعلى الزواوي ـ رحمه الله ـ: «ولهذا قلتُ ـ وما زلتُ ولن أَزالَ أقول-: «إنَّ المالكيَّ الذي يطعن في الوهَّابيِّين يطعن في مالكٍ ومذهبِه مِنْ حيث يشعر أو لا يشعر، أو لأنَّه جاهلٌ أو متجاهلٌ» ينظر: جريدة: «الصِّراط السَّويُّ» السَّنَة الأولى، العدد السَّابع (ص7).

4- اتهامه بالخروج عن نهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسسها الشيخ الكبير: عبد الحميد بن باديس – عليه رحمة الله تعالى- وهذه أشنع تلك التهم وأكذبها؛ ذلك أن عناية الشيخ بتراث الجمعية ومؤلفات علمائها، وعلى رأسهم ابن باديس – رحمه الله تعالى- عناية قلّ نظيرها؛ كشرحه لكتاب «مبادئ الأصول» لابن باديس بمسجد «الفتح» بباب الوادي (العاصمة)، وقد طبع كتابًا سماه: «الفتح المأمول في شرح مبادئ الأصول»، إضافة إلى كتب أخرى ومقالات يعكف فيها الشيخ – حفظه الله- على خدمة علم ابن باديس وتقريبه لطلبة العلم منها: «التعليق النفيس في بيان عقيدة الإيمان بالقدر عند الإمام ابن باديس – رحمه الله-»، «روح التنفيس شرح معنى الإسلام والإيمان والإحسان للإمام ابن باديس – رحمه الله-»، «تنوير التأسيس شرح أركان الإيمان العظام الملائكة – الكتب – الأنبياء – اليوم الآخر للإمام ابن باديس – رحمه الله-»، «العقائد الإسلامية مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: 1359ﻫ)،»تحفة الأنيس شرح عقيدة التوحيد للإمام ابن باديس«، «إمتاع الجليس شرح عقائد الإيمان للإمام ابن باديس ومنهجه في تقرير أسماء الله وصفاته«، تقريظ رسالة «نيـل المنـح بشرح إملاء الشيخ ابن باديس في علم المصطلح لمحفوظ بن عامر» وغيرها. وإنما الذي يخرج عليه الشيخ ويحذر منه: الجمعيَّة الحالية التي تقوم على الحزبيَّة الجزائريَّة التي أضحَتْ بين أيدي جمعٍ مِنَ الفلاسفة والمتصوِّفة وأضرابِهم مِنَ المتحزِّبين، ومَنْ ينتسب إلى مذهب السَّلف زورًا ـ مع الأسف الشَّديد ـ يشوِّهون مبادِئَها، ويعبثون بمقوِّماتها، ويعيثون فيها فسادًا؛ فغيَّروا مَعالِمَها وخُطَّتَها، وأضاعوا أُسُسَها ومقاصدها، وأَخلُّوا بقواعدها ومناهجها، وأَدخلوا فيها البِدَعَ والعوائدَ والحوادث، ولبَّسوا على النَّاس صوتَ الحقِّ، وخَنَقوه بعويلهم وصيحاتهم، وانتفضوا على أهل السُّنَّة وضيَّقوا عليهم في المساجد وغيرها مِنَ الميادين الدَّعْوية؛ فخانوا العهدَ وضيَّعوا الأمانة، واتَّخذوا مِنَ الشَّيخ عبد الحميد بنِ باديس ـ رحمه الله ـ واجهةً لهم ودِثَارًا وذريعةً؛ ليَكسِبوا قلوبَ الجزائريِّين باسْمِ الجمعيَّة، وليُمرِّروا ـ مِنْ ورائه ـ ما أخفَوْا تحته مِنْ مذهب الأشعريَّة والصُّوفيَّة شعارًا، ويُحيوا بها أباطيلَهم ويَنشروا خرافاتِهم، فسلبوا الجمعيةَ الباديسية جوهرَها ومضمونها، المتمثِّلَ في تقرير التوحيد والاتِّباع وتقويمِ الأخلاق، على منهج أهل السُّنَّة والجماعة القائمِ على محاربة الشِّرك والبِدَع والحوادث، وذمِّ التعصُّب المذهبيِّ والجمودِ الفكريِّ ونحوِ ذلك، فلم يتركوا ـ بعد هذا التَّدليس ـ للجمعيَّة الباديسيَّة سوى الاسْمِ دون المحتوى؛ لا جمعيَّة العلماء الباديسيَّة الأصيلة التي كانت تنتسب صراحة لمنهج السلف وتتبرأ من الحزبية والصوفية وأهل البدع، قال الشَّيخُ مبارك الميلي ـ رحمه الله-: «وكان أهلُ المغرب سلفيِّين حتَّى رَحَل ابنُ تومرت إلى المشرق، وعَزَم على إحداث انقلابٍ بالمغرب سياسيٍّ علميٍّ دينيٍّ؛ فأخَذ بطريقة الأشعريِّ ونَصَرها، وسمَّى المرابطين السَّلفيِّين «مجسِّمين»، وتمَّ انقلابُه على يد عبد المؤمن، فتمَّ انتصارُ الأشاعرة بالمغرب، واحتجبَتِ السَّلفيةُ بسقوط دولة صنهاجة، فلم ينصرها ـ بعدهم ـ إلَّا أفرادٌ قليلون مِنْ أهل العلم في أزمنةٍ مُختلِفةٍ» «تاريخ الجزائر» للميلي (2/ 338)». والله المستعان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد