الكلُّ يبكيكَ يا شيخَ الدُّعاةِ وما *** يفي بحقّك دمع الخلق كلّهم ُ
عشرونَ عامًا بسجنِ البغي ما وهنتْ *** منكَ العزيمة أو أودى بكَ السَّقمُ
شيخٌ أبيٌّ بحبل الله معتصم *** ومن يفزْ بحبيبِ الله يعتصم ُ
وفي محيّاهُ نورُ الحقِّ مرتسم ٌ *** وفي المقال نقاءُ الصدق يرتسمُ

جسد أعياه الدهر وأثقلته المحن فصَقَلته، فهانت المحن ولم يهن صاحب الجسد، وخرّ الابتلاء صعِقًا من صلابة المُبتلى، ومضى الدهر ولم تَمضِ الروح معه؛ وإنما وحدها التي بقيت.

ولحية بيضاء ناصع لونها، يقتبس الوجه من وقارِها نورًا، وتقتبس هي من نوره جلالة ووقارًا، وشعرٌ كالتاج يلمع فوق رأس صاحبه الذي شابَ مظهره – مما رأى – قبل أن يشبّ، وشبّ جوهرُه – مما نرى – حتى بعد أن غزاه الشّيب.

ووجه نرى فيه تفاصيل الثورة والانتفاضة والدعوة والقضية والوطن، وصدر فيه خريطة فلسطين وبوائك الأقصى وأشجار الزيتون والبرتقال، وتكاد الهموم التي بداخله أن تعكس صورتَها إلى الناظرين فيرَوْا تاريخ الوطن وجغرافيته مجتمعيْن في صدر واحد.

خبر الموت ينزل على النفوس زلزالًا، ولكن من قبلِه ملايين التفاعلات ومئات الأسباب التي أدت إلى حدوث الزلزلَة، خروج الأثقالِ مثلًا، وتحدث الأخبار، وأسئلة الإنسان، وصدور الناسِ أشتاتًا لُيرَوْا أعمالهم! تمامًا كأن تتخيل آخر اللحظات قبل صعود الروح وسقوط البُنيان، تلك اللحظات التي يتحول فيها الجسم إلى جسد، ولا فرق بين الكلمتين لغةً واصطلاحًا؛ إلا الحياة!

هنالك غير بعيد عن لحدِه المبطّن بالمهابة، والمغشّى بالتاريخ، والمزيّن بورودٍ بعدد الساعات التي قضاها في السجن، وبعدد الأسواط التي ألهبتْ ظهره، وبعدد الآلام التي قضّت مضاجعه، بعدد كل كلمة وصلت، وبعدد كل صرخة لم تصل… في زاوية أخرى من زوايا القاهرةِ يريدها المخرج، تبجّحًا منه في ليلة مُنع فيها أن يزفَّ أستاذَ القرنِ أهلُ الأرض، فزفّته ملائكة المساء. يسمح للشواذ بإقامة حفلِهم الأول، كأنّ الأقدارَ يفسّر بعضُها بعضًا، ويرشُّ كلُ قدرٍ منهم الملحَ على جُرح القدر الذي سبقه.
أخبروهم أن عاكفَ كذلك كان شاذًّا!
كان شاذًّا عن كل قطيعٍ يُطأطئُ الرأس ويحني النفس، كان شاذًّا بشبابِ قلبه وإن بلغ عمرُه التسعين، كان شاذًّا بما تركه من إرثٍ ممتلئٍ بكل أنواع المقاومة وحافلٍ بكل ضروبِ العزة، كان شاذًّا كشذوذ الماءِ عن كل سائلٍ سواه.

أما بعدُ يا شيخنا الشهيد «مهدي عاكف»… نعم شهيد وسيُكتب ذلك عند الملك جلّ في علاه أنّك شهيد حق في زمن ساد فيه الظلم، شهيد ثبوت وصبر، شهيد كلمة لا يعليها إلا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فلولا اعتكافُك في رحابِ نفسِك ما اهتديت، ولولا هداك لَما اعتكفت. فلا ميتة أكرم من أن تلقى الله شهيدًا ومهديًّا إلى الحق عاكفًا عليه.

فنحن ممتنّون جدًّا لك ولكل قادتنا الأشاوس: البنا وأحمد ياسين وعز الدين ومرسي وبديع وغيرهم… عرفناهم في المحن أنهم عن رؤية الظلم لا يصمتون وللقلوب المكسورة مرممون وأنهم يمشون في طريق الحق حتى لو كان الثمن بدفع الروح. لهذا السبب نحن لن ننساكم قادتنا لأنكم دفعتم أعماركم ثمَنًا لنعرفَ الفرق بين المعيشة والحياة. والفرقُ بينهما كمَن يأكل الطعام ويشربُ الماءَ ويموت فيتحلل، وكمَنْ يرضَع الرجولةَ ويشربُ الانتفاضةَ فيتحللُ كل شيءٍ ويبقى هو؛ يموتُ الزمنُ ويحيا هو متمردًا عليه، ويموتُ المكانُ فيصل إلى ما وراء الحدود، ويموت الموتُ، ويُكتبُ لسيرتِه الخلود، ولروحه البقاء!

فأنتم غرستم شجرة الفكرة بعرق جبينكم وسقيتموها بدماء أرواحكم وانطفأت شمعتكم حتى يضاء دربنا، فنبت من شجرتكم بفضل من الله ومنّة، ثمار عزّة وفَخَار، ويكثر منّا نسل عاشق لأمته محب لدينه ترخص روحه في سبيل دعوته والتمكين لشريعة الله في أرضه لا مكان للدنيا في قلبه لأن الحرية نبضت في عرقه. فإلى الملتقى قادتنا بجنّات خلدٍ مع الخالدين. يقين، يقين، يقين، بإذن رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد