يعد أنطون تشيخوف واحدًا من أكبر الكتاب والمفكرين الفلاسفة، حيث إنه عند كثير من كبار الكتاب والروائيين، يعتبر تشيخوف هو أحسن كاتب قصص قصيرة في العالم، لما تمتاز به قصصه من بعد فلسفي وأهداف. إن تشيخوف يكتب لنا عن قصص قد نكون نحن من عاشها، ويمكن أن نكون قد عرفنا أشخاصًا عايشوها، غير أنه حين تقرأ له، تتغير نظرتك للأشياء. في هذا المقال سنتتطرق إلى ما رأيته من مطابقة وانسجام بين قصة «لمن أشكو كآبتي؟» وبين الواقع المعاش حاليًا.

في الصورة: أنطون تشيخوف برفقة ليو تولستوي

لعل عنوان القصة يعبر عن مضمونها مباشرة، فإن بطل القصة «الحوذي إيونا» يشعر بكآبة خانقة. يحاول أنطون تشيخوف في هذه القصة أن يتحدث عن هذا الحوذي الذي تلقى خبر وفاة ابنه بصدمة كبيرة، فإنه لا يستطيع أن يتقبل موته، ولهذا فإنه دائم البحث عن الناس الذين قد يستمعوا لحزنه، لكآبته ووحدته التي تزداد كل دقيقة. الحوذي لا يريد شيئًا غير أن يجد شخصًا ما يستمع لما به من حزن ويتفاعل معه. وهذا ما حاول «إيونا» أن يقوم به مع كل زبون يركب عربته. ولكن ليس هناك شخصٌ ما يتقبل فكرة الاستماع إلى حزن هذا الرجل، لا أحد يعيره اهتمامًا، كل الزبناء يشتمون ويطلبون منه الإسراع إلى المكان الذي يطلبونه. ومن عنوان القصة يتضح لنا جليًا أن «إيونا» لم ينجح في التحدث مع أي أحد على ما يمر منه من أزمة نفسية ومعنوية.

تبدأ القصة بسرد حالة الحوذي إيونا، حيث قال في ذلك تشيخوف «إيونا بوتابوف أبيض تمامًا كالشبح، انحنى متقوسًا بقدر ما يستطيع الجسد الحي أن يتقوس وهو جالس على المقعد بلا حراك»، من هنا يمكننا استنتاج مدى كآبة هذا الأخير، ومدى انغماسه في وحشته ووحدته التي لا يشعر بها أحدٌ غيره، ونجد هذا أيضًا في قول الكاتب «ولكن الجموع يسرع دون أن تلاحظه أو تلاحظ وحشته، وحشة هائلة، لو أن صدر  إيونا انفجر وسالت منه الوحدة لأغرقت الدنيا كلها، ولكن مع ذلك لا أحد يراه». لقد أعطى تشيخوف كل مواصفات الإنسان اليائس والكئيب للحوذي، ولا شك في أن هذا له غاية معينة.

تمر الأحداث على الحوذي، زبون تلو الآخر، وكلهم لا يستمعون إلى مأساته، بل ينتظرون وقت وصلوهم فحسب. وهكذا فإن إيونا لم يكن يشعر بأن قلبه يَفْرُغُ كل الحزن الذي يملكه، بل على العكس من ذلك ازدادت وحشة إيونا وإزداد ألم المعاناة من عدم القدرة على إخبار أحدِِ بما حدث لأنه. لا بد أن يخبر أحدًا ما، لا يمكن أن يبقى على هذه الحالة، إنه هكذا يزداد عذابًا، ولكن لماذا لا يريد أي أحدِِ أن يستمع إليه؟ بعد كل المحاولات التي قام بها إيونا يصل أخيرًا إلى سرد مآسته لحصانه، ويمر عليه اليوم كباقي الأيام التي تلت وفاة ابنه.

اقتباس من القصة:

ها هو وحيد ثانية، ومن جديد يشمله السكون، والوحشة التي هدأت قليلًا، تعود لتطبق على قلبه بأكثر مما كان. ألن يجد في هذه الآلاف واحدًا يصغي إليه؟، ولكن الجموع تسرع دون أن تلاحظه أو تلاحظ وحشته.

لقد حاول تشيخوف أن يصور لنا بشاعة المجتمع الذي نعيش به، حيث إن الإنسان يرى نفسه هو الأسمى وأن هدفه فوق كل الآخرين وفوق مأساتهم. كيف لكل زبناء هذا الحوذي أن يحتقروه كل هذا الاحتقار وأن يعتبروا موت ابنه شيئًا عاديًا، بينما الوصول في الوقت إلى مكان معين، العمل، المال والكثير من الأشياء المادية الأخرى التي تعتبر أساسية وضرورية في حياتنا المعاصرة.

شخصيًا، أرى أن هذه القصة لا يزال يسري منها قصدها وهدفها الأساسي. من قرأ شيئًا لتشيخوف سيعلم علم اليقين أنه كاتب يكتب على المجتمع وما يمر به من تغيرات، عن الناس ما يتصلب فيهم من قلوبِِ وأحاسيس بعد كل قرن. إننا اليوم أكثر صلابة وبشاعة من ذي قبل، إننا نرى الإنسان بنظرة سادية لا تعيره أي قيمة، فإن الأشخاص الفقيرين أو المعدمين في زمننا يتم احتقارهم أشد احتقار، لا من أجل غاية، وإنما لأنهم ولدوا على تلك الوتيرة الاجتماعية التي وجد نفسه فيها دونما أن يقرر.

لقد فقدنا الحس الإنساني الذي يشفق لمآسي الآخرين، أصبح الموت نفسه شيئًا عاديًا، فإذا توفي أب صديق ما أو قريب لنا، فإننا لا نواسيه بالطريقة التي وجب علينا فعلها، إننا نمضي ونقول إن الحياة لا تعتمد على الحزن وأن الله ينسيِ أهل الميت بميتهم. لو استطعنا أن نجتمع جميعًا ونقرر أنه لا يجوز أن يمر يوم واحد دون أن يصغي الواحد لمآسي وأحزان الآخر، فإنني أقر لكم أن الانتحار، والبؤس، والحزن والشعور بالوحدة، كل هذا سينخفض، غير أنه لم نستطع إدراك الأمر بعد. إننا نقتل بعضنا البعض دونما إعارة الاهتمام لذك. نحن من نصنع وحدة الآخرين، من نصنع أحزانهم ومصائبهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد