بعد ساعة ونصف من التأمل في التقرير الطبي قال في نفسه «ومن يدري قد تكون جرعة الكيماوي لذيذة»!

ما بين العيون الباكية وقف كعادته جبارًا يواسي أهله في بلائه، يكفكف الدموع ويلقي بالنكات لتختلط الدموع بالضحكات في منظر تقشعر له الأبدان، يرحل ببصره بعيدًا في ثانية من الزمن، في ثانية واحدة مر كل شيء.

منذ شهور كانت المعاناة التي لم يكترث لها أو التي لم تسمح له الحياة بالالتفات إليها، يذكر جيدًا الآن كيف مضت تلك الشهور، وهو يتقيأ بلا مناسبة، يخرج الدم، إمساك وإسهال، وجسم نحيل، لكنه لم يلتفت، كانت عيناه على أهله، على الرفاق، كانت عيناه على من وهبهم قلبه، على الأشياء التي تسعدهم ولما رأى نفسه في تلك التقارير لم يرهم.

يعلم حجم الظروف لكن أي ظرف يا ترى أقوى من المحبة، أي ظرف يا ترى أبقى من نبضة القلب التي إن غابت أخذت معها الحياة ومعناها، يعلم حجم المآسي التي مروا بها جميعًا فهو حتمًا عاشها معهم، جرح مثلهم، لكن الدمع في عينيه كان عنيدًا، من قال إن الذي لا يبكي لا يشعر!

والآن لا بأس أن يقف وحده هذا حتمًا أفضل من أن يصطف العالم بأسره إلى جانبه وهو مريض، سيكره ذلك جدًا، سيكره قرب الرفاق، وعطف الأهل ودعوات الغريب، سيكره صورته منكسرًا في عيون الناس فيتوارى عنهم، كل مشاعر الأرض تُحمل إلا أن يشعر الإنسان أنه في محل شفقة، شعور مخز أن ترى أحدًا يشفق عليك.

في الكثير من أحاديثه مع نفسه كان يقول: ما معنى أن يقام للميت عزاء ويحضر كل الرفاق والزملاء الذين تعرفهم منذ الطفولة حتى الموت، ما معنى أن يمتلئ المكان بهم! أن يغلق الشارع بالسيارات! أن يرتدوا الأسود ثلاثة أيام! ما معنى كل هذا إن لم يكونوا قربك في حياتك، أين هم يوم احتجت دَينًا، أين هم يوم احتجتَ بوحًا؟ أين هم يوم كانت يدك فارغةً واحتجت يدًا؟ يا ترى هل ساندوك طيلة الدرب وعاشوا معك لحظة المرض ولحظة الموت وأنت تحكي آخر وصاياك وتنطق الشهادة؟

إذًا لماذا هم الآن هنا؟ العجيب أنهم يبكون لعلهم في بكائهم صادقون ولكنهم تأخروا جدًا، إن الميت لا يحتاج أن تمتلئ كراسي العزاء، أنتم بذلك لم تقدموا له شيئًا، أنتم بذلك تكاليف زائدة «صحن منسف إضافي، وكاسة ماء إضافية، والتمر والقهوة»، نعم أنتم تكاليف، لو كنتم معه في حياته ويوم العزاء أبقيتم الكراسي فارغة.

الآن الخطوة الأولى لا أريد أن أخبر أحدًا عن مرضي وثانيًا سأكتب في وصيتي أن لا يقام لي بيت عزاء، آخرًا سأعمل بجد في الأيام الباقية لألقى الله بوجه حسن، ولأني لا أريد أن أعبر من جهنم الدنيا إلى التي أشد حرًا، وحيثُ سماء الله نسكُنها نُحيي الذين رحلوا ونُطلّ على الباقين، نشاهد الدعوات التي تصعدُ لنا من الصادقين، ونُشاهد أيضًا كيف نُنسى، كيف جفّت الدموع على فراقنا ومُحيت من الهواتف والذاكرة صورنا، نرى يا رفيق كيف نُصبح خيار حذفٍ لأنّ ذاكرة الهاتف لا تتسع، «تابَع قوله».

في القلب إيمان عميق أن «السرطان» لا يقتل شيئًا إذا ما آمنّا أن الإنسان كتلة من المشاعر، وأن النبض لا يقاس عددًا وإنما شعورًا، وأن هذا الجسد لا بد أن يبلى أيًا كانت الطرق، ولكن يبقى ما فعلته بهذا البالي إن كنت أحسنتَ عملًا وصدقتَ ودًا وحبًا وإن لم تلقَ من الذين أحببت ذلك.

إنها ثانية واحدة فقط ورجعَ بعدها بنظرهِ إليهم وقال «ماذا سنطبخ اليوم»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك