لم يكن سفاح سوريا بدعًا من العتاة والمجرمين في استخدام السلاح الكيميائي أداةً في الترويع والإرهاب؛ فالتاريخ البشري حافل بسوابقٍ مثيلة في الخزي والعار، وكأن كل المجرمين عبر العصور يتسابقون في ترك بصماتهم الدموية، ولأن ابن آدم الأول عليه وزر كل من قتل نفسًا إلى يوم القيامة كان (فريتز هابر) هو من أعاد تجسيد شخصيته في القرن العشرين ليصير قابيل العصر الحديث!، ولنتمثل ما قام به السيد هابر نستحضر مشهدًا من الحرب العالمية الأولى وبالتحديد معركة يبرس الثانية التي شهدتها الأراضي البلجيكية في عام 1915م، حين كان يعسكر جنود الحلفاء في خنادقهم وفجأة هبت عليهم عاصفة قاتلة من جهة الجبهة الألمانية قُتل بعدها من قُتل وفرّ منها من كُتبت له النجاة لتتقدم كائنات بشرية مقنَّعة تشبه الضفادع لتحتل مواقعهم!، تبين فيما بعد أن تلك الضفادع هي الجنود الألمان وأن تلك العاصفة كانت من غاز الكلورين الخانق، إنه السلاح الألماني الجديد!

فريتز هابر هو الكيميائي صاحب الفضل في أول استخدام حقيقي للسلاح الكيميائي في التاريخ، حين قام بتسليح الجيش الألماني القيصري بغاز الكلورين في الحرب العالمية الأولى ليستخدم أول مرة في معركة يبرس الثانية الشهيرة وليتابعه هابر بنفسه على الجبهة ليكون إحدى الأدوات الفتاكة التي يستعين بها الألمان لحصد الأرواح والحصول على مزيد من الأرض، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فلم يمر عام حتى استطاع الحلفاء ابتكار أقنعتهم الخاصة التي تقي جنودهم وخيولهم وكلابهم من السلاح الكيميائي الفتاك، لتمر أول تجربة سلاح كيميائية حقيقية تاركة بصمة فريدة تفيد بأنه لا قوة ولا عظمة لدولة من الدول بدون امتلاك وتطوير الأسلحة الكيميائية، ولكن ماذا حدث للسيد هابر؟!

لقد حصل مبتكر آلة القتل الجديدة على جائزة نوبل! نعم جائزة نوبل في الكيمياء لابتكاره طريقة تصنيع الأمونيا من النيتروجين والهيدروجين، وليفلت من عقاب الدنيا باعتراف دولي وعالمي!

وفي عام 1935م قرر الدوتشه (بينيتو موسوليني) اجتياح إثيوبيا طمعًا في إحياء أمجاد روما العظيمة، كان الاجتياح قويًّا وصادمًا حيث وقف جنود (هيلاسلاسي) المساكين أمام الجحافل الإيطالية بأسلحتهم التقليدية وبنادقهم القديمة فانهارت الدفاعات الإثيوبية لتحرز إيطاليا الفاشية نجاحًا كبيرًا، ولكن الإثيوبيين (الأوغاد!) بدؤوا يستفيقون فشنوا هجومًا قويًا في أيام الكرسماس ليقطعوا اتصالات وخطوط إمدادات الإيطاليين، فما كان من جيش موسوليني إلا أن استخدم حله النهائي قنابل غاز الماستارد لتهوي على رؤوس الإثيوبيين المترنحين، وتركع إثيوبيا بعدها وتسقط أديس أبابا ويهرب هيلاسلاسي وينعم المحتلّ بغنيمته، ويتم تنصيب القائد (بترو بادوليو) حاكمًا عامًا لإثيوبيا، ولكن ماذا حدث لبترو بادوليو حينما انتهت الحرب العالمية الثانية وحُررت إثيوبيا واحتل الحلفاء إيطاليا؟ يبدو أنه أخذ جزاءً وفاقا على جرائمه ضد الإنسانية! لا لم يحاكمه أحد بل نصبه الحلفاء رئيسا لوزراء إيطاليا خلفًا لموسوليني الشرير لينعم بالمنصب بعد أن فرّ من عقاب الدنيا وليموت في النهاية على فراشه قرير العينين!

وفي الستينيات حينما انتفض الفيتناميون الشماليون لتوحيد بلادهم، جرّت الولايات المتحدة الأمريكية جحافلها لقمع قوات الفيتكونج بأي طريقة لدحر الخطر الشيوعي في جنوب شرق آسيا، ولم تر الحكومات الأمريكية حرجًا في استخدام النابلم لإبادة لشعب الفيتنامي البريء فأسقطت منه أربعمائة ألف طن فوق رؤوس الفيتناميين، ولتجسيد تلك الجريمة الإنسانية لك أن تتذكر صورة أشهر فتاة فيتنامية (كيم فان) التي كانت سببًا في انسحاب الولايات المتحدة من الحرب حين قصفت طائرة أمريكية قرية (ترانج بانج) بالنابلم فالتقط مصوّر صورتها وهي تجري عارية باتجاه الكاميرا تصرخ من ألم احتراقها بنيران النابلم،وعلى رغم توقع الأطباء أنها لن تعيش طويلا أجريت لها سبع عشرة عملية جراحية لتنجو من الموت وتكمل دراستها في كوبا وتستقر في النهاية في كندا، كان الطيار الأمريكي المجرم الذي قصف قريتها هو (جون بلامار)، ولعلنا نتساءل ماذا كان مصير هذا الطيار المجرم بعد ذلك ؟ أبدًا لم يحدث له شيء سوى أن كيم فان قامت بزيارة للولايات المتحدة عام 1996م في ذكرى حرب فيتنام والتقت به وحاول الاعتذار لها والتُقِطَت صورة لهما جمعت بين الضحية والجاني في مشهد تحار له العقول، حتى قالت كيم فان في هذا المشهد تحت سيف الأمر الواقع: نحن لا نستطيع تغيير الماضي لكننا نستطيع أن نعمل جميعًا من أجل مستقبل يعمّه السلام.

وقبل أيام من عيد النيروز عام 1988 وقد أوشكت الحرب العراقية الإيرانية أن تنتهي، استيقظ العالم على مأساة (حلبجة) بعد ثماني سنوات عجاف من الحرب العابثة حين رأى القائد المفدَّى في العراق (صدام حسين) أن استرجاع حلبجة من أيدي الإيرانيين يقتضي تدميرها دون اعتبار لآلاف النساء والأطفال الأكراد القابعين فيها، فأطلق علي حسن المجيد بأوامر من وليّ نعمته قنابل غاز السارين والخردل على المدينة المسكينة، ففارق الحياة أمهات مع أطفالهن الرضع وتلاميذ على أبواب مدارسهم لينمحي عشرة آلاف شهيد كردي بجرة قلم، ثم في النهاية قالوا في حياة الطاغية: عاش أسد العروبة!، وحين اغتاله أعداؤه بيد عملائهم حين وجدوا الوقت المناسب لذلك قالوا: مات شهيد السُنّة!

أما سفاح سوريا اليوم فقد ارتكب مجزرتين كيميائيتين الأولى في الغوطة عام 2013 بغاز السارين والثانية في كفر شيخون عام 2017 بالسلاح نفسه، لتركيع شعبه وتخييره بين إما العبودية والذل تحت نيره وإما الإبادة والدماء والأشلاء، ويتساءل بعض المثاليين عن المحاكمة والمحاسبة والعدالة والإجابة أبسط من أن نرهق أنفسنا بها، لو حوسب فريتز هابر أو بترو بادوليو أو جون بلامار لحوسب سفاح سوريا وأعوانه! ولو ظننا أن ينال سفاح الشام مثل جزاء طاغية العراق من قبل فما هذا والله بجزاء عادل! أن تُقتل نفس جزاء قتلها لمليون نفس بأبشع طرق القتل ليس بحُكم ولا بعدل فالعدل هو الله وحده! حين يَنصب الموازين يوم القيامة وتقام المحكمة الإلهية التي تحقق القصاص العادل، وصدق الدكتور مصطفى محمود حين أشار إلى أن الظلم الفاحش الذي يعم الأرض حولنا هو أدل دليل على أن الدنيا ليست هي نهاية المطاف، فالعقل البشري لا يتفهم ذلك وإنما هنالك حياة أخرى بعد الممات تتحقق فيه العدالة الإلهية وتُشفى صدور المظلومين ويقال الحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مجلة العربي الكويتية - العدد 683 بعنوان فيتنام سيدة البحر
pietro badoglio
عرض التعليقات
تحميل المزيد