من منظور الحرب الكيميائية فإن الموت واحد؛ أي أنه لا تفرقة بين أساليب الموت وإنما العبرة بإيقاع الموت على العدو أو الأهداف الاستراتيجية التي يحتاجها العدو. أطلقت ألمانيا النازية عام 1915 ما يزيد عن 168 طن من غاز الكلور على إييبر Ypres البلجيكية مما أودى بحياة 5000 جندي من قوات الحلفاء، وتعاملت الولايات المتحدة الأمريكية بوحشية أقسى وأقذر في حرب فيتنام 1962-1971 فأطلقت العامل البرتقالي Orange Agent وهو اسم حركي لمبيد أعشاب ونازع أوراق الشجر؛ إذ استعملت القوات الأمريكية 71 مليون لتر من العامل البرتقالي مما نجم عنه وفاة 400 ألف شخص على الأقل فضلًا عن تشوهات الأجنة التي بلغت 500 ألف حالة. في هذا المقال نُلقي الضوء على الأنواع المختلفة للمواد المستخدمة في الحروب الكيميائية.

تسمى المواد الداخلة في الحرب الكيميائية باسم عوامل الحرب الكيميائية Chemical War Agents ويشار لها اختصارًا CWA وتنقسم لأربع مجموعات رئيسة، بالإضافة إلى مجموعات فرعية لا تستخدم في الحروب وإنما يتم الاستعانة بها لمكافحة الشغب والسيطرة على الحشود وتشمل (الغازات المسيلة للدموع – عوامل الصدمة المؤقتة). في السطور القليلة التالية نعرض بشيءٍ من الإيجاز للمجموعات الرئيسة الداخلة في نطاق الحروب الكيميائية على النحو التالي:

أولًا: غازات الأعصاب Nerves agents

من بين أشهر المواد الكيميائية فتكًا وإبادة، ويمكن أن تقتل في أقل من 15 دقيقة، وتعمل عبر تثبيط الجهاز العصبي للضحية بآليات متنوعة منها تعطيل الإنزيمات المسؤلة عن نقل نبضات العصب في الجسم. جميع عوامل الأعصاب تنتمي لمركبات الفوسفور العضوية، وهي مواد مستقرة وسهلة الانتشار وشديدة السمية، كما أنَّ تأثيرها على الجسم سريع سواء عند امتصاصها عبر الجلد أو عن طريق التنفس، يضاف لذلك سهولة تصنيعها وتوافر موادها الخام.

لم يلاحظ الكيميائيون الألمان القوة الفاتكة لمركبات الفوسفور العضوية حتى أوائل الثلاثينيات من القرن المنصرم، وفي عام 1934 تم تعيين جيرهارد شرايدر Gerhard Schrader مديرًا تنفيذيًّا لتطوير مبيدات الآفات بشركة IG Farben الشهيرة، وبعد عامين من الدراسات والأبحاث توصل شرايدر إلى تخليق مركب فوسفوري يمتلك قوة سمية عالية للغاية. تم إطلاق اسم تابون Tabun على هذا المركب الجديد، والذي عرف لاحقًا بعامل الأعصاب تابون؛ توالت بعد ذلك الجهود لإنتاج التابون؛ فأسست ألمانيا النازية مصنعًا ضخمًا وأنتجت خلال الفترة 1942 – 1945 حوالي 12 ألف طن من التابون. بنهاية الحرب العالمية الثانية استولى الحلفاء على مخزون التابون وقاموا باستعماله في أغراضٍ تخدم أهدافهم السياسية.

حتى نهاية الحرب العالمية الثانية كان شرايدر قد تمكَّن من تخليق 2000 مركب كيميائي جديد من الفوسفور العضوي بما في ذلك السارين عام 1938 ولم يتم التوسع في انتاجه بشكلٍ مُوائم حتى عام 1945 والسومان Soman والذي بدأ إنتاجه على نطاقٍ واسعٍ عام 1949. الجدير بالذكر أن هذه المواد (تابون – سارين – سامون) معروفة في التسمية الأمريكية بعوامل G، بحلول منتصف الخمسينيات من القرن الماضي تم تخليق مجموعة جديدة من عوامل الأعصاب يطلق عليها وفقًا للتسمية الأمريكية عوامل V وتمتاز بسمية تعادل عشرة أضعاف سمية السارين.

ثانيًا: عوامل حارقة Blistering agents

تعرف كذلك vesicants مواد زيتية ثم تصبح سامة، تم ابتكارها لأول مرة عام 1917 في ألمانيا. جاءت تسميتها بالعوامل الحارقة للتشابه الكبير بينها وبين حروق الدرجة الأولى. من أشهر أمثلتها غاز الخردل (خردل الكبريت – خردل النيتروجين) وفوسجين أوكزيم Phosgene oxime ومركب لويزيت Lewisite وهو أقوى هذه المركبات تأثيرًا. استعمل غاز الخردل بشكلٍ كبير خلال الحرب العالمية الأولى، وهذه العوامل لها تأثير حارق؛ يؤدي لتآكل الجلد والأغشية المخاطية وغيرها من أعضاء الجسم عند ابتلاعها أو اتصالها بالجلد. تقتل في فترة تصل إلى 24 ساعة. استعملت في العديد من الصراعات ومنها الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988).

ثالثًا: عوامل الدم Blood agents

يعزى اكتشاف هذه العوامل للكيميائي الألماني من أصول يهودية فريتز هابر Fritz Haber، والمولود في 1868 برز اسمه على الساحة العالمية مع أفول عام 1891، وقد حصد جائزة نوبل في الكيمياء عام 1918. كان هابر غنيًا ومشهورًا ولكن اختلت أحواله إذ انتحرت زوجته وابنه، وطُرِدَ من ألمانيا

قام هابر وبمساعدة كارل بوش Carl Bosch بتطوير تقنية لتخليق الأمونيا واستخدامها في صناعة الأسمدة. استفاد الألمان من هذه الطريقة في تحضير الغازات السامة إبان الحرب العالمية الأولى، فضلًا عن استعمالها في معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية. أشرفَ هابر بنفسه على إطلاق الغازات السامة على قوات العدو، وقد كان لاستعمال هذه الغازات أثرًا بالغ الضرر على قوات الحلفاء. بعد الحرب العالمية الأولى وضع هابر مخططًا لتوفير الأموال لألمانيا حتى تسدد ديونها؛ فقدَّم مشروعًا لاستخراج الذهب من مياه البحر. شهرته كعالم سهلت له مهمة تجميع الأموال اللازمة لإتمام المشروع؛ إلا أنَّ المشروع باء بالفشل.

في عام 1915 ومع فورة الحرب العالمية الأولى، انتحرت زوجة هابر في حديقة منزلهم مستخدمةً سلاح الخدمة العسكرية الخاص بزوحها؛ لرفضها عمله في تخليق السموم. صبيحة اليوم التالي كان هابر يباشر عمله بالإشراف على إطلاق الغازات السامة. في وقتٍ لاحق قبيل نزع فتيل الحرب العالمية الثانية طُرِدَ هابر من ألمانيا النازية على خلفية أصوله اليهودية، تردد بين بريطانيا وإسرائيل حتى وفاته. قُتِلَ باقي أفراد أسرته بغاز Zyklon B الذي ساهم بنفسه في تطويره، بينما انتحر ابنه هيرمان في الولايات المتحدة الأمريكية نهاية عام 1945 بسبب العار الذي خلفه والده بعمله في مجال الأسلحة الكيميائية.

تعمل على إحداث ردود فعل غير طبيعية في الجسم مثل التشنجات والنوبات القلبية وفشل الجهاز التنفسي خلال 4 ساعات، كما تؤدي لدرجات قوية من الصداع والغثيان والدوار والشلل والارتباك وفقدان الوعي. يتم ذلك من خلال تثبيط قدرة الدم على حمل الأكسجين مما يجعلها تخنق الجسم من الداخل. غالبًا ما تعتمد على مركبات السيانيد Cyanide مثل سيانيد الهيدروجين AC وكلوريد السيانوجين CK بالإضافة إلى الزرنيخ AS وهي مواد قاتلة قوية. سميت بعوامل الدم لأنها لا تعمل إلا بوصولها للدم، ويكون وصولها للدم عبر الاستنشاق أو الابتلاع.

كلوريد السيانوجين غاز قاتل استخدم في الحرب العالمية الأولى، وهو سائل عديم اللون في درجة حرارة الغرفة، وله رائحة الحمضيات، ومهيج قوي يسبب سيلان الأنف وتهيج الجلد والأغشية المخاطية كما ينجم عنه صعوبة في التنفس. يتم استعمال نيتريت الصوديوم ونيتريت الإميل بالإضافة إلى الصوديوم ثيوسلفات كترياق لكلوريد السيانوجين. أما سيانيد الهيدروجين فلا توجد وثائق مؤكدة حول بداية دخوله قيد الاستعمال في الحروب، إلا أن ألماني النازية استخدمته في غرف الغاز النازية تحت مسمى Zyklon B كما استعملته القوات العراقية في حربها ضد إيران في الفترة 1980-1988 وكذلك في قرية جلبجة الكردية شمال العراق.

رابعًا: العوامل الرئوية Pulmonary agents 

وتعمل بسرعة أقل من عوامل الدم، ولها تأثيرات قاتلة بوصولها لرئة الضحية وذلك لقدرتها على تدمير الرئة.

ظهرت معاهدات عديدة لحظر استخدام الأسلحة الكيميائية نظرًا لوحشيتها التدميرية. وثمَّة نقطة في غاية الخطورة فيما يتعلق بالأسلحة الكيميائية وهي سهولة إنتاجها؛ مما يجعلها الخيار الأنسب لبعض الجماعات الإرهابية، ومن ذلك أن جماعة آوم شينريكو Aum Shinrikyo الإرهابية اليابانية أطلقت غاز السارين مرتين؛ الأولى عام 1994 في مدينة ماتسوموتو والثانية عام 1995 في مترو أنفاق طوكيو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد