مدخل إلى علم الأرصاد السياسي

يمُرّ مناخ المنطقة العربية، بمنطق علم الأرصاد السياسي، بتقلّبات عنيفة ما زالت تُؤذن برياح عاتية ستعصف بأوتاد كثير من الخيام المتداعية، وتختلع مراتيج كلّ الأبواب التي ظلّت مقفلة لأحقاب طويلة في وجه التغيير. ولا تُفهم هذه الاهتزازات العنيفة التى ضربت الصفائح التكتونية المتآكلة للأرض العربية، بدءًا من تونس وانتهاء اإى ما يحصل اليوم في السودان والجزائر، إلاّ بوصفها مآلات طبيعية لاعتمالات ماقْما الغضب الدفين في جوف هذه الكيانات المتشابهة رغم الاختلاف، والتفاسير التى تذهب إلى عد ما يحدث جزءًا من مسرحية الكيد الدولية، رغم ما فيها من الوجاهة، فإنها تغفل العوامل الداخلية الناتجة عن غياب إرث سياسي حقيقي يُحصّن هذه الأرض، التي ظلّت لقرون تُدار بنزقية الهواة وعنت المغامرين المتشبثين بنظرية الوصاية والآبائية الزائفة.

نظرية موت الأب.. من الأدب إلى السياسة

لسنا في وارد الحديث عن نظرية موت الأبّ عند الأديب الروسي ديستويفسكي، بما تعنيه من دعوة للتحرّر من كل أشكال القيد الاجتماعي، والنفسي، والدينى عند خوض محنة الكتابة، ولكنّنا نستطيع أن نقترض هذا المعنى لمقاربة تجربة الحكم في البلاد العربية بوصفها اتّسمت بنوع من الآبائية المقيتة، بدعوى أنّ هذه الشعوب القاصرة لم تنضج بعد بالقدر الذي يسمح لها بحياة سياسية أكثر نضجًا، وظلت هذه الشعوب تُساس بوعى الرّاعي صاحب العصا المقدّسة يهشّ بها عن غنماته، تغدو من زرائبها خماصًا، وتعود إليها مساء أكثر جوعًا ممّا كانت عليه.

فهل نحن فعلاً بهذا الخصاء والدونية لنبقى في القاع الحضاري السحيق؟ هل نحن فعلا أقلّ شأنًا من شعوب أفريقية استطاعت أن تتعالى على مآسيها التاريخية العظيمة، وتنخرط بكلّ ثبات في مسرب الحداثة؟ الإجابة النهائية والمنصفة هي أنّنا جديرون بمنزلة أسمى ممّا نحن فيه، لكنّنا لم نتعظ من دروس التاريخ والجغرافيا المتاحة لنا ولم تُتح لغيرنا من الأمم؛ فالشعب اليابانى مثال نجترّه على الدوام، انتفض من سديم محرقة الحرب الكونية2 رغم ضعف المَهْبى الطبيعي، وكثرة زلازله وبراكينه، فإنه اليوم يمثل أيقونة التفوق بكلّ شموخ، فالحديث عن الدسائس والاستعمار، وضعف الموارد، كلّها عوامل ثانوية تنحسر تأثيراتها أمام الإرادة والرغبة الجدّية في تحصيل أسباب الوفرة والرفاه النفسي، والسياسي، والاقتصادي.

مشكلتنا المركزية إلى اليوم أنّنا لم نستطع اجتياز مرحلة الدهشة أو الصدمة الحضارية التي تحدّث عنها الطهطاوي، الشيخ الأزهري في «تخليص الإبريز»، فعينه لم تقو على بريق حضارة فرنسا وألقها في نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر، فماذا لو تعلق الأمر بزيارة للشيخ، لنقل في بداية القرن الذي تلاه حتى لا نبتعد أكثر، حتمًا كان الشيخ سيجتاز مرحلة الانبهار إلى مرحلة الكوما بلا جدال.

ما الذي يجري في السودان والجزائر العظيم؟

لن أخوض في الوقائع ولكنّ الذي يجري هو ببساطة ردّ فعل طبيعي، اتفقنا معه أو اختلفنا، لشعوب حان فطامها، لكنّها ظلت ترضع حليب التخبيس والتيئيس لأحقاب، وحُقنت بجرعات قوية من مورفين الخوف، جعلها تحتمل آلام الدونية المفروضة، وتبتلع عصبًا جرعة زائدة من خطابات الأبوّة الفارغة، وكبسولات الزعامة المتورمة حدّ الاستبداد.

صحيح أنّ هذه الآبائية ربّما تجد لها ما يبرّرها في ستينات وسبعينات القرن الماضي، بحكم التأسيس لنواة الدولة الحديثة والحاجة القصوى للاستقرار السياسي والاجتماعي، لكن يبدو أنّ الرؤية السياسية للحكام استمرأت سلطة الاستبداد وديمومة النعيم المُورّث كابر عن كابر على مرّ السنين. وغدا التمديد والمناشدة عرفًا جاريًّا يقيم الدليل على تخلفنا وإهدارنا لفرص تاريخية كانت متاحة للخروج من لعنة المهانة والتخلف.

فصورة بوتفليقة المقعد بعيدًا عن إنسانية المشهد، لا تليق سياسيًّا بشعب الجزائر الذي ينهل من مخزون تاريخي عظيم ما يزال ملهمًا لكل شعوب الكون، ودائمًا بعيدًا عن إنسانية المشهد، وتعاطفنا مع الرجل في محنته الصحيّة، أيّ حظّ للشعب الجزائري العظيم في أن يطوّر تجربته السياسية في ظلّ قيادة آن لها فعلاً أن ترتاح قليلاً من غبار السفر الطويل؟ لا يُمكن أن تفهم صورة الرئيس المتعب بسنوات الحكم إلاّ على أنّه الإصرار المقيت على الاستمرار في مواصلة سطوة الأبّ الذي ما عاد أطفاله ينصتون إليه، وصار عندهم من الوعي ما يجعلهم قادرين على تحملّ غياب الأبّ أو موته حتّى.

ومع ذلك يبالغ هذا الأبّ في المجازفة السياسية بمصيره ومصير العائلة ككلّ، هذا هو المشهد بالتبسيط الشديد؛ فالدولة القوية ذات التقاليد العريقة في الحكم تستطيع أن تتواصل حتى في غياب الحاكم لأسباب سياسية أو طبيعيّة، فإيطاليا مثلًا تعيش هذه الأزمات بشكل دوري تقريبًا، دون أن ينهار السقف على رؤوس من فيه، وما قيل في حقّ الجزائر يقال إيجازًا عن السودان، رغم الاختلاف في التفاصيل.

لا خوف.. لقد حان الفطام

خلاصة ما ننتهي إليه أنّ هذه الشعوب رضعت قرنين كاملين، وحُقّ لها أن تنعم بما يليق بها حضاريًّا وسط شعوب العالم، لكن مع ذلك ينبغي أن نأخذ في الحسبان، والدرس الليبي والسوري ماثل في العقول، أنّ إيجاد العقار المناسب للتعافي السياسي العربي يظلّ عصيًّا على أعتى المخابر المتخصّصة في هذا المجال، وأنّ كيمياء الحكم تحتاج إلى الخلطة المناسبة التي تبقى على درجة من التعقيد، بحيث ينبغي التحسّب في المقادير والجرعات، ولعلّ التجربة التونسية، على تعثّرها، تبقى مثالًا للقياس الحذر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد