هل فكرنا يومًا ما وجه الشبه بين السياسة ولعبة الشطرنج؟

للوهلة الأولى سوف يكون جوابنا أن كلا الأمرين يعتبر لعبة أو لا علاقة بينهما؛ فكيف للعبة جميلة منشطة للعقل أن تشبه لعبة وسخة كالسياسة. في الحقيقة إن الشطرنج والسياسة يتشابهان كثيرًا، بل يمكننا القول إنهما الشيء نفسه؛ فكيف ذلك؟

لاعب الشطرنج يسعى إلى السيطرة على كامل رقعة الشطرنج، إذ يجبر خصومه على التصرف كما يرغب هو، وذلك بشكل غير مباشر وكذلك يفعل السياسيون.

عندما تبدأ اللعبة يسعى كلا اللاعبين للحفاظ على أحجارهما، ولكن مع مرور الوقت يبدآن بفقد بعض الأحجار، وذلك إما عن طريق دهاء الخصم أو أنَّ اللاعب نفسه قد يقدم أحد أحجاره أضحية. وهنا يبرز السؤال: لماذا يضحي اللاعب بأحد أحجاره؛ هل لأنه يكره هذا الحجر، أم أنه يعيق تقدم باقي الحجارة؛ أم أنها تتآمر على الملك وتريد الانقلاب عليه؟

طبعًا الجواب ليس أيًّا من هذه الاحتمالات؛ فلاعب الشطرنج يضحي بحجارته من أجل تنفيذ مخططه الهادف لقتل ملك الخصم.

التضحية بالأحجار ليست حركة عشوائية؛ وإنما تكون بحجم ما سوف تحققه من أهداف؛ فمثلًا من الممكن التضحية بجندي مقابل قتل جندي واحد من الخصم، ولكن من المستحيل التضحية بالوزير من أجل القضاء على جندي الخصم، وهذه القاعدة العامة صحيحة دومًا ما عدا حالة واحدة؛ ألا وهي تعرض الملك لخطر الموت، وهنا سيكون اللاعب جاهزًا للتضحية بأي حجر في مقابل الحفاظ على حياة الملك، حتى ولو كان هذا الحجر أعز أصدقائه ومركز قوته «الوزير».

وهذه الاستراتيجية تطبق بحذافيرها في عالم السياسية ونشاهدها يوميًّا.

لو نظرنا إلى الساحة السورية لوجدنا عدة رقع من الشطرنج، كل واحدة منها محتواه برقعة أكبر منها؛ إذ إن الرقعة الصغيرة تتحول إلى حجر في الرقعة الأكبر منها. إذا وضعنا هذه الرقع تحت المجهر؛ سنجد أن النظام والثوار هما الخصمان في الرقعة الأصغر من بين هذه الرقع، وأفراد الشعب السوري، هم الجنود المنقسمون ما بين الخصمين، وهم الخاسر الأكبر نتيجة قدراتهم المحدودة.

وبالعودة بالتاريخ إلى الوراء قليلًا؛ نجد كيف أن النظام ضحى بأهم أحجاره «خلية الأزمة»؛ ليحافظ على ملكه «بشار».وكذلك الأمر بالنسبة للثورة التي اغتالت الكثير من قياداتها لتحافظ القيادات الأكبر منها على وجودها.

ولا بد من التنويه هنا أن الملك في فريق الثورة متعدد الرؤوس بعدد التنظيمات المقاتلة باسم الثورة.

وبتكبير الرؤية المجهرية سنجد لاعبين «خصومًا» جددًا على الرقعة، منها دول الخليج وإيران وتركيا والقوات الكردية، وبالتكبير أكثر سيظهر الملكان الأخيران، وهما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا؛ حيث تعد تركيا الوزيرة في جهة الولايات المتحدة وإيران الوزيرة في جهة روسيا.

ولكن في هذا المستوى حدث شيء لا يحدث إطلاقًا على رقعة الشطرنج الحقيقية؛ إذ إن الولايات المتحدة الأمريكية، حاولت أن تضحي بوزيرها فقط لمجرد الخوف من أن يصبح ملكًا ينافسها على هذه الرقعة، مما دفع بهذا الوزير إلى الانشقاق عن مجموعته، وانضمامه للطرف الآخر تحت إمارة الملك الروسي، وبذلك أصبح الروسي يلعب بوزيرين في حين بقيت أمريكا، بدون وزير وتعتمد على قلعتها «المملكة العربية السعودية» وحصانها «القوات الكردية» في لعبتها.

ومع احتدام الصراع على السيطرة على الرقعة، وبروز التفوق الروسي نطرح على أنفسنا التساؤلين التاليين:

هل ستحافظ روسيا على علاقتها مع وزيرها التركي، والذي سيتطلب منها الضغط على وزيرها الإيراني ليضحي بوزيره السوري «بشار» في الرقعة الأصغر؟

هل الوضع السيئ لأمريكا سيدفعها لاتِّباع استراتيجية أقل الخسائر، وتبدأ بالتضحية ببعض حجارتها؛ مثل الحصان الكردي؛ لتكسب ود وزيرها السابق التركي؛ لتحافظ على بعض مكاسبها قبل إيقاف اللعبة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد