إن مفهوم «القوة» على نحو يدعو للدهشة هو مفهوم مراوغ، ومن الصعب قياسه، ليست القوة حسنة أو سيئة بذاتها، إنها مثل السعرات الحرارية في الحمية الغذائية، وليس الكثير دائمًا هو الأفضل، قد تتحول إلى نقمة عوضًا عن أن يكون نعمة إذا أفضت إلى الثقة الزائدة، واستراتيجيات غير موائمة لتحويل القوة كالمقولة الشهيرة للورد «أكتن»: «القوة مفسدة، والقوة المطلقة مفسدة مطلقة»، وأيضًا أثبتت الدراسات أن القوة مفسدة خاصةً لأولئك الذين يعتقدون بأنهم جديرون بها .

واليوم تتوزع القوة في العالم على شكل نموذج يماثل «لعبة الشطرنج» ثلاثية الأبعاد معقدة. وعلى رقعة الشطرنج توجد القوة العسكرية أحادية القطبية على نحو كبير، والمرجح أن تظل الولايات المتحدة هي القوة العظمى لبعض الوقت، وفي منتصف رقعة الشطرنج توجد القوة الاقتصادية متعادلة القطبية، وسوف تستمر ما يزيد عن عقد؛ حيث الولايات المتحدة، وأوروبا، واليابان، والصين هم اللاعبون الأساسيون ومعهم آخرون يحوزون بعض الأهمية. وفي نهاية رقعة الشطرنج يوجد عالم من العلاقات عابرة للحدود على مفترق الحدود خارج سيطرة الحكومات.

عن المشاكسين، الذين يمتلكون ميزانيات تفوق معظم ميزانيات الدول، المؤثرين تأثيرًا كبيرًا جدًّا في النظام الدولي الحالي في قَرنِنا هذا، القرن الحادي والعشرين، وسائل الإعلام، المنصات الدينية، مراكز البحوث والدراسات، المافيات، فاعلي الشبكة، الفرد، ألا وهم «الفواعل أو اللاعبون من غير الدول» كما تجري تسميتهم بالعادة .

كما تشمل رقعة الشطرنج أيضًا تحديات جديدة عابرة للحدود، مثل الأوبئة والتغييرات المناخية، وفي آخر رقعة الشطرنج تنتشر القوة انتشارًا عريضًا، ولا مجال هنا للحديث عن الأحادية القطبية أو التعددية القطبية أو الهيمنة، أو غير ذلك من الكليشيهات التي يضمنها القادة السياسيون والعلماء في كلماتهم.

ويحدث حاليًّا تحولان كبيران للقوة في هذا القرن، وهما انتقال القوة فيما بين الدول، ثم انتشار القوة بعيدًا عن كل الدول إلى الفاعلين من غير الدول، وتتمثل المشكلة بالنسبة لجميع الدول في القرن الحادي والعشرين أن هناك أمورًا أكبر بكثير من إمكان السيطرة عليها، حتى من جانب أقوى الدول، بسبب انتشار القوة وانتقالها من الدول إلى الفاعلين من غير الدول.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تبلي -بالمقاييس العسكرية- بلاء حسنًا، فيما يجري على نحو متزايد في هذا العالم، هو فشل تلك المقاييس في التحكم فيه، وفي ظل نفوذ ثورة المعلومات والعولمة تتغير السياسة العالمية تغيرًا يعني أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تحقق كل الأهداف إذا عملت بمفردها، وعلى سبيل المثال، يمثل الاستقرار المالي العالمي أمرًا حيويًّا لرخاء الولايات المتحدة، ولكنها تحتاج إلى تعاون الآخرين لتأكيد ذلك. وسوف يؤثر التغير المناخي العالمي أيضًا في نوعية الحياة، ولكن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتولى المشكلة بمفردها.

وفي ظل عالم غدت فيه الحدود أكثر نفاذًا عن ذي قبل، لكل شيء، ابتداء من المخدرات إلى الأمراض المعدية إلى الإرهاب، يتعين على الدول أن تعبئ التحالفات الدولية، وتنشئ المنظمات لمواجهة التهديدات، والتحديات المتشاركة.

وبهذا المعنى تصبح القوة عبارة عن مباراة ذات محصلة إيجابية، ولا يكفي أن نعتقد بأن القوة «فوق» الآخرين، بل يتعين علينا أيضًا أن نفكر فيما يتصل بالقوة لكي ننجز الأهداف التي تنظم القوة «مع» الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد