كل لعبة ممكنة سواء أكانت إلكترونية أو واقعية لها مجموعة من القوانين التي تنظمها، وتختلف درجة القوانين في بساطتها وبديهيتها، منها التي تقوم عليه اللعبة بأكملها، وهذا وجب أن يكون بديهيًّا لأنك لن تستطيع أن تبدأ اللعب بدونه، فلو هي لعبة إلكترونية سيحرص المصمم على أن تعرف تلك القوانين بسهولة وبسرعة، فمؤكد أنه قد صنع اللعبة لأنه يريدنا أن نلعبها وبالتالي لزم أن يعلمنا قوانينها الأساسية.

أما عن القوانين الأكثر تعقيدًا فهي ليست عبثًا أو استعراضًا قويًّا من المصمم، وإنما هي منعًا للملل ولإضفاء الحماسة على اللعبة، وبالطبع حتى يكون لهذه اللعبة معنى، فالسعي للكشف عن هذه القوانين واكتشاف بعضها ووضع الأخرى هو ما يخلق المعنى في هذه اللعبة، بل إن إدراكنا بأننا لن ندرك أبدًا القوانين كلها وأنه سيبقى دومًا قوانين لم تكشف بعد هو ما يجعلنا نستمر في اللعب، وأنه كلما اكتشفت قوانين أكثر كلما كنت أبرع في اللعبة وشعرت بالتميز؛ فلا قيمة للعبة في ذاتها وإنما القيمة فيما يضاف عليها من غموض وإثارة ومجهود ونجاح وفشل وتميز، كل هذا يجعلنا نعود للعبة مرة أخرى محاولين اكتشاف مزيد من القوانين، محاولين جعل المعنى أقوى وأوضح وربما أجمل.

لكن لتلعب هذه اللعبة لزمت الثقة في المصمم أنه لن يخدعك؛ فأنت بالنسبة إليه لاعب كالآخرين؛ فالتزامك بالقوانين البديهية والأخرى الأكثر تعقيدًا نابع من ثقتك بأن المصمم لا يغير القوانين، فقط إدراكك لها يتغير، ولتتفوق أو تبدع في هذه اللعبة لا بد أن تعرف أن المصمم ليس تافهًا أو سطحيًا، وبالتالي سيكون في اللعبة منحنيات وخبايا وعوائق غير متوقعة، وربما بعض الاختصارات، ولا يمكننا وصفها بالعشوائية لأن العشوائية لن تأتي بها لسبب ما؛ فالعشوائية تنافي القانون الأبسط للعبة، وهو السببية؛ وبالتالي لا يمكننا أن ندعي على المصمم أنه يخالف القوانين الأساسية للعبة، فحقيقة القوانين توجب تناسقها فيما بينها، وإلا لكانت لعبة فاشلة، وإن كانت كذلك لأقلع عنها الجميع.

كذا هي حياتنا، لعبة مثل تلك الألعاب تختلف قوانينها في التعقيد والأهمية؛ فجميعنا نصدق على صحة البديهيات العقلية القائلة بأن لكل سبب مسبب، والنقيضان لا يجتمعان ولا ثالث بينهما، وأن الكل أكبر من الجزء، وإن كان سوء الفهم للقواعد المجردة يصنع الاضطراب، فلن يعارضني أحد حين أقول بأن الشيء إما موجود وإما غير موجود ولا ثالث بين الوجود وعدمه؛ هذا لأنها القواعد الأساسية الأبسط، وإن اختلفنا في مصدرها لن نختلف في الإقرار بها؛ فبدونها علينا الخروج من الحياة، بل إن خروجنا سيكون مبنيًا عليها. فنحن خرجنا لأننا لم نقتنع بالقوانين الأولية للعبة بل إن هذا ذكر للسبب فإنكار القانون يعتمد على القانون وبالطبع هذا لا يصح، أما القوانين الأكثر تعقيدًا فربما نختلف فيها حسب درجاتها وأهميتها، فربما نتفق على مفهوم العدالة ونختلف في تطبيقه، ربما يرى بعضهم أن السرقة والقتل ليست أفعالًا قبيحة يجب الامتناع عنها وربما يصبح المجد في الحرب، ولكن مع وجود كل هذه القوانين والرؤى والأفكار والفلسفات والتشريعات لا يجعل من تلك القوانين كلها صحيحة، ستبقى في نهاية الأمر قوانين المصمم هي الثوابت التي نحاول الاقتراب منها وإدراكها، وفي محاولاتنا نضفي المعنى على بعض القوانين المعتمدة على طبيعتنا في اللعبة، فلنا احتياج إنساني نسعى لإشباعه فتكون التشريعات الإنسانية لتخفيف قسوة اللعبة، فلا أحد سيكمل اللعبة التي لا يفوز فيها أبدًا ولا يستمتع بها، فحتى لا نخرج من اللعبة نتشبث بالمعنى المتوالد بيننا والموضوع بنا، وأن الرغبة من الهدف البقاء في اللعبة لا الوصول للهدف.

ولكن لِمَ قد يجعل المصمم اللعبة قاسية؟ في الواقع ليس هذا بالسؤال الصعب الإجابة وإنما هو مطروح بشكل سيئ لا أكثر، اللعبة لها قوانينها الخاصة، ولعقولنا وطبيعتنا قوانين أخرى، وتصنع اللعبة طبقـًا لاحتياجاتنا وطبيعتنا، لكن الاختلاف في الحياة هو أننا جزء من اللعبة فنحن واللعبة في تناغم مع أحدنا الآخر، وما لنا في قلب اللعبة هو القدرة على وضع قوانين تحسن منها وأنه إن لم نقم بذلك فما دخولنا في اللعبة إلا عبثًا وهذا ما قد أثبتنا استحالته مسبقـًا، ومن تلك القوانين ما هو فردي يضعه الشخص ويلتزم به لرغبة أو لغاية ما أو ما يحكم الأفكار والأنشطة الفردية كالتفكير مثلاً والإبداع، فهي أفعال فردية محكومة بتلك القوانين. ومنها ما هو جماعي أي يحكم علاقات البشر بعضهم ببعض وتأثير المجتمع والأفراد وتفاعلهم فيما بينهم. ولكن يظهر من الأمر أن القوانين تجعلنا خاضعين للجبرية، فإذا كانت القوانين تحدد كل شيء فما لنا من إرهاق أنفسنا في المقارنة بين الخطأ والصواب، ولكن الأمر ليس كذلك، فالقوانين تضعنا في حتميات لا جبريات، بيد أنه إذا اخترت صعود المبنى الأبيض فعليك الاختيار بين إحدى عشرة شقة، ولا يمكنك اختيار الاثنتي عشرة لأنه لا وجود للشقة رقم ١٢، فلم يجبرك أحد على اختيار شيء ما، وإنما تحتم عليك اختيار إحدى الاحتمالات، كذا هي القوانين حتمية لا جبرية، وكذا هي حياتنا لعبة لم نختر الدخول فيها حقًّا، ولكننا نختار ما بداخلها؛ فهي نفسها تدفعنا لإكمالها مضيفين المعاني والأفكار ومطورين فيها وصانعين أسباب وإضافات تجعل بقاءنا فيها أفضل وذا معنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد