«لاعب الشطرنج» هي رواية رمزية ذات طابع نفسي وأبعاد سياسية، اجتماعية، وفلسفية، تعد آخر الأعمال التي كتبها الروائي النمساوي ستيفان زفايغ قبل انتحاره سنة 1942، بالرغم من قصرها فإنها شديدة العمق، والحديث عن مضمونها قد يتجاوز عدد صفحتها. وقبل انتحاره بخمسة أسابيع كتب إلى صديقه هرمان كيستن عن هذه الرواية قائلًا: «ليس هناك شيء مهم أقوله عن نفسي، كتبت قصة قصيرة حسب أنموذجي المفضل البائس، وهي أطول من أن تنشر في صحيفة أو مجلة، وأقصر من أن يضمّها كتاب، وأشد غموضًا من أن يفهمها جمهور القراء العريض، وأشد غرابة من موضوعها في حد ذاته».

الرغبة في الانتحار واتخاذ قرار الانتحار أمران مختلفان، أحيانًا قد نرغب في الانتحار، وغالبًا ما نتخذ قرار التنفيذ. تساءلت أي شيء يجعلنا نرغب في ذلك؟ بكل بساطة هو جحيمنا الداخلي الذي يعلو ولا يعلى عليه. فجأة وبدون سابق إنذار نتخذ قرار الانفصال عن هذا الجحيم، وتحقيق تلك الرغبة المكبوتة.

ترى ما مدة تلك الفترة الزمنية بين رغبة ستيفان زفايغ في الانتحار وبين اتخاذ قراره (انتحاره فعلًا)؟ كم دام جحيمه وبؤسه؟ ترى أي حزن ويأس هذا حتى استطاع ستيفان زفايغ أن يضعه في قالب حكائي؟

ستيفان زفايغ الأديب النمساوي الذي يمشي ببطء في الطريق المؤدية إلى أعماق النفس البشرية، إنه يملك رؤية واضحة للنفس. كما أن دقة وصفه واهتمامه بالتفاصيل دلالة على إحساسه المرهف، ونفسه الجريحة التي مزقتها الحرب واحتلال النازيين للنمسا. وعدم قدرته على تحمل هذه الظروف، والألم الذي كان يحيط بنفسه من كل جانب دفعه إلى الانتحار وتخليص نفسه من بؤس الحياة وامتلاك روحه الحرية الأبدية.

تدور أحداث الرواية حول شخصين مسافرين على متن باخرة، الأول بطل العالم في الشطرنج، وهو قروي مغرور، لا يملك من المعرفة سوى مهارته وموهبته في لعب الشطرنج. أما الثاني فهو نمساوي السيد (ب) وهو محام ماهر ومهووس بلعبة الشطرنج. اعتقله النازيون وتلقى أشد أنواع فنون العذاب النفسي، وهو ما يسمى بالفراغ القاتل الذي يؤدي إلى انهيار العقل ويقود إلى الجنون.

كان كتاب «فنون لعبة الشطرنج» الذي سرقه، هو خلاصه الوحيد من حلقات العدم التي كان يدور فيها، وكان ذلك الكتاب سلاحه الذي يقتل به الفراغ. ومع مرور الأيام أصبح يتقن كل المهارات الموجودة في الكتاب، وأصبح يلعب ضد نفسه، ويقيم مباريات الشطرنج داخل عقله. يلتقي هاذان الشخصان على الباخرة، وتجمع بينهما مباراة لعب الشطرنج، ويصور لنا الكاتب أجمل حالة صراع ومعاناة داخلية لهذين الرجلين، ويجعل النهاية غير متوقعة.

الوصف هو ما يكسب أعمال ستيفان زفايغ طابعًا خاصًا، إذ يقدم لنا الأحداث والوقائع بأسلوب وصفي عظيم. وهذا الوصف يمثل الجزء الأكبر من الرواية. وجاء على جزأين: الأول هو وصف حالة الفراغ التي عانى منها السيد (ب) في سجنه الانفرادي. وحالة الانفراد والعزلة القاسية، ووصف بشاعة الفراغ وكيفية تأثيره في النفس البشرية. أما الجزء الثاني هو وصف مباراة الشطرنج التي جمعت بين بطل العالم وبين السيد (ب)، وتصوير حالة الصراع بين الهوس والغرور.

اللغة كانت جميلة والأسلوب رشيق وغير ممل، والأحداث تمشي بعضها وراء بعض بوتيرة منتظمة. كما أن توظيف تقنية الاسترجاع بذلك المدى والاتساع زاد من جمالية النص الأدبي.

في روايات ستيفان زفايغ دائمًا ما يكون الرواي شخصية مشاركة في الأحداث، ولكن ما يحيرني هو أن هذا الراوي مجهول الهوية وبلا اسم. ففي رواية «أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة» يأتي السرد الذي ترويه إحدى الشخصيات المجهولة «السيدة الإنجليزية». وفي رواية لاعب الشطرنج جاء السرد على لسان شخصية نمساوية مجهولة أيضًا، وهي السيد (ب).

الراوي في هذه الرواية هو ذات تتسم بالازدواجية، وله وجهة نظر داخلية، ويجعلنا نتلقى الأحداث من مصدرها دون أي واسطة. وهو يترك مسافة بينه وبين الشخصيات، ولا يحاول أن يقتحم وعيه، بل ينقل أفعالها وأقوالها كما جاء على لسانها؛ فمعرفته بها لا تتجاوز معرفتها بنفسها.

اعتماد الأديب النمساوي على هذا الراوي المشارك في الأحداث، هو أمر ضروري لنقل الأحداث والحالة النفسية للشخصيات عن بعد. وهو بمثابة القناع الذي يختبئ وراءه الكاتب ليستطيع التعبير بحرية تامة. وإطلاق العنان للمكبوتات حتى تتشكل في قالب حكائي.

النهاية كانت جيدة؛ إذ استطاع الكاتب أن ينهي القصة في الوقت المناسب. إذ جعل السيد (ب) ينسحب ويتخذ قرار الهزيمة؛ كي لا ينفجر تحت وطأة الضغط النفسي.

«لاعب الشطرنج» هي الرواية الخامسة التي أقرأها لستيفان زفايغ بعد رواية أموك. ربما تكون أفضل أعماله من الناحية القصصية. ولكنني لم أجدها الأفضل في شدة العمق النفسي الذي عودنا عليه، مقارنة بباقي أعماله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد