من عادتي أن أنظر إلى الكثير من الوقائع التي تحصل من حولي أو أكون متابعًا لها، على أنها لعبة شطرنج، رغم أنني لا أحب لعب الشطرنج كثيرًا، إلا أنني أعشق قوانينها، وأحب إسقاطها على الواقع من الحين إلى الآخر. هذا الإسقاط كان من الصعب تطبيقه في بداية الحراك الجزائري؛ لأن الكثير من الأمور كانت غامضة، لكن أظن أننا وصلنا اليوم إلى منعرج صار فيه كل شيء واضحًا، خصوصًا بعد أمرين اثنين: الأول هو لقاء رئيس الدولة عبد القادر بن صالح بالرئيس الروسي فلادمير بوتن، والثاني هو مرور ذكرى الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني)، تاريخ اندلاع الثورة التحريرية المباركة ضد الاحتلال الفرنسي.

يمكننا اليوم تخيل الجزائر على أنها لوحة شطرنج، وأن اللاعِبَيْن المتنافسَيْن هما اثنان فقط لا ثالث لهما: الشعب مقابل «السلطة الفعلية»، وأقصد بالسلطة الفعلية هنا أي جهة صارت تملك اليوم القول الفصل في سياسة البلد، وأنا لا أقصد أي جهة مادية أو معنوية تحديدًا، فقد تكون هذه السلطة الفعلية هي نتيجة لتحالف عدة جهات خلف الستار، كما يمكن أن تكون جهة واحدة فقط تمكنت من افتكاك السلطة من جميع منافسيها وأعدائها، لكن الجميل في لعبة الشطرنج هو أنه لا يهمنا التدقيق في ملامح الخصم ومعرفة اسمه ولقبه أو سماع حكاياته وأقواله، بقدر ما يهمنا دراسة تحركاته على لوحة الشطرنج. وإني لأعتقد أن الكثير من التحركات للسلطة الفعلية قد كشفت بقدر كبير اليوم عن أهدافها وما تريد الوصول إليه، ولو أردنا التعبير عن ذلك بالإنجليزية، لقلنا: «Now, their ENDGAME has become clear».

في الأصل أن السلطة الفعلية، في أي بلد يحترم قوانين الديمقراطية، تكون طرفًا واحدًا مع الشعب؛ لأنها في الأخير هي من الشعب وإلى الشعب، لكن عندما تكون روافد تشكيل السلطة من غير صناديق الانتخاب وأصوات المواطنين، يحصل الانشطار والتمايز بين السلطة والشعب، وعوضًا عن أن تنخرط السلطة مع شعبها كطرف مُوَحّد في لعبة شطرنج يكون طرفها الآخر هو التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يجد الشعب نفسه طرفًا وحيدًا في مواجهة سلطة المفترض بها أن تكون في صفه، لكنها تصبح خصمًا له تحاول الانتصار عليه!

قبل إعلان عبد العزيز بوتفليقة استقالته يوم 2 أبريل (نيسان) 2019، فاجأ نائب الوزير الأول وزير الخارجية رمطان لعمامرة، الذي لم تمر سوى أيام قليلة على تعيينه، الشعب الجزائري بمسارعته إلى لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اللقاءُ الذي غطته الكثير من وسائل الإعلام والصحافة، ولا يخفى على أي أحد أن رمطان (الخجول باسمه العربي رمضان) قد قدّم تقارير مفصّلة لسيرجي لافروف تمس بسيادة الجزائر واستقلالها، وطمأنه أن بوتفليقة مستمر في الحكم إلى حين تنظيم انتخابات رئاسية في القريب العاجل، لكن لم يتمكن رمطان من إنهاء جولته وعودته إلى الجزائر حتى أعلن الرئيس بوتفليقة تنحيه، وتم تشكيل حكومة جديدة لا مكان لرمطان فيها!

الكثير من الجزائريين يومها توقعوا أن عهدًا قديمًا قد انتهى، وأن عهدًا جديدًا ستقبل عليه الجزائر لا يكون فيه أمثال رمطان لعمامرة. لكن المفاجأة أنه في تاريخ 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على فِعلة رمطان، يكرر نفس الأمر رئيس الدولة (وليس وزير الخارجية) عبد القادر بن صالح ما قام به رمطان، ويعقد لقاءً مع الرئيس الروسي فلادمير بوتن على هامش قمة سوتشي، لقاءٌ مَرّغ فيه أنوف الجزائريين في التراب، وأعطى رسالة قوية بأن عهد بوتفليقة لا يزال قائمًا!

لقاء ابن صالح ببوتين ألهب الشارع، وكانت ذكرى اندلاع الثورة التحريرية فرصة للتعبير عن الغضب والاستياء الشديد، والتي تصادفت مع الجمعة 37 للحراك، فخرج الشعب بالملايين منددين ومستنكرين في أعداد قد تفوق كل الجمعات السابقة للحراك بما فيها الجمعات الأولى التي انطلقت في 22 فبراير (شباط) 2019.

لكن وكأن اللقاء بين ابن صالح وبوتين لم يكن كافيًا لتوضيح الصورة أكثر عن أهداف السلطة الفعلية، ليأتي نائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح في نفس الجمعة التي صادفت ذكرى اندلاع الثورة، ويصافح وزير العدل بلقاسم زغماتي، ويخاطبه بلغة الاحتلال الفرنسي أمام كاميرات الإعلام: «Il faut aller jusqu’au bout»، ويكررها مرتين من باب التأكيد، والتي تَرْجَمتُها باللغة الثانية لنائب وزير الدفاع (أي العربية): «لا بد من الذهاب حتى النهاية»، بطبيعة الحال هو كان يخاطبه بشأن ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المعلن عليه، أي بتاريخ 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، مهما كلف الثمن ومهما كانت اعتراضات الحراكيين، لكن لن نركز على هذا، بل سنركز فقط على مخاطبته لزميله الوزير في الحكومة بلغة الاحتلال الفرنسي، بينما يرى جزء كبير من الشعب على أن قائد الأركان نائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح هو بطل وزعيم التيار الوطني الكاره للاحتلال الفرنسي، والذي زج بعملاء وحلفاء فرنسا في السجون.

كنت أشاهد منذ أيام فقط وثائقيًا حول الثورة الإيرانية سنة 1979، والتي أطاحت بالملك الشاه محمد، وحملت آية الله الخميني ليتربع على عرش جمهورية إيران، وما لفت انتباهي هو استعمال الغطاء الديني من طرف آية الله الخميني، ليصرف انتباه الشعب الإيراني عن التركيز على أنه كان مدعومًا من الاتحاد السوفيتي حينها. وبعدما نجحت الثورة الإيرانية، لا يزال هنالك جدل قائم إلى اليوم حول مدى تحسن أوضاع إيران بعد ذهاب الشاه ومجيء الخميني، الكثير يرى أن إيران صارت أكثر سوءًا بعد الثورة الإسلامية. هذا الوثائقي جعلني أرى مدى التشابه والتطابق في الكثير من النقاط بين إيران في ذلك الزمن والجزائر اليوم، خميني إيران يلجأ لأخذ الدعم من الاتحاد السوفيتي، وسلطة فعلية بالجزائر تحرك رجالها لأخذ الدعم من روسيا. خميني إيران يخدع الشعب بشعار الإسلام، وسلطة فعلية بالجزائر تخدع شعبها بغطاء الوطنية وكراهية فرنسا التي كانت محتلة لبلادنا، بينما تسارع لكشف أسرار الدولة لروسيا (وكأنه لا مشكلة للجزائريين مع أي مستعمر جديد، المهم أن لا يكون فرنسا!).

نعود إلى لعبة الشطرنج، والتي اتضح طرفاها، السلطة الفعلية مقابل الشعب. الهدف من اللعبة هو أن ينتصر أحد الطرفين في الأخير، لكن لا تكون هنالك لعبة بدون قوانين، أو بقوانين غير عادلة، وهذا ما يحصل بالضبط في الجزائر. السلطة الفعلية تريد أن تلعب مع شعبها بحيث أنها تمتلك جميع القطع المتعارف عليها ضمن لعبة الشطرنج في البداية، بينما ترفض من الشعب وضع أي قطعة كبيرة في معسكره، بل تريده أن يواجهها بمعسكر يتشكل من بيادق فقط! وكلما أراد الشعب وضع قطعة كبيرة (وثيقة عين البنيان كمثال من بين العديد) رفضتها السلطة الفعلية وأزاحتها عن لوحة الشطرنج! إذا كيف يمكن اللعب بقوانين غير عادلة حيث تكون النتيجة محسومة مسبقًا! لذلك فإن أول مؤشر على السلطة الفعلية أن تقدمه لبيان رغبتها في خوض لعبة نظيفة مع الشعب، هو أن تسمح له باستكمال عدد القطع الكبيرة المطلوب قبل بداية اللعبة.

الأمر الثاني في لعبة الشطرنج هو أن كل قطعة تتحرك وفق قوانين، وإلا عمّت الفوضى، لذلك لا يمكن أن تضع السلطة الفعلية قطعًا من اختراعها لم يسبق لها مثيل في لعبة الشطرنج، وتقرر بمفردها نمط تحرك هذه القطع! هذا النوع من القطع هو ما تمثله تحركات رمطان لعمامرة وعبد القادر بن صالح. لا أحد يعلم ما الفرق بين الذين التقوا بالمخابرات الفرنسية وتم أسرهم برميهم في السجن، وبين الذين التقوا برئيس روسيا وقدموا له تقارير مخابراتية، لكنهم لا يزالون فوق لوحة الشطرنج يتحركون كما يشاؤون! إن غطاء الوطنية يفرض على كل من يحمله أن يساوي بين الاثنين، لذلك فإن ثاني مؤشر على السلطة الفعلية أن تقدمه، هو إزاحة القطع الفاسدة وأسرها بمحاكمة كل من تخابر مع قوى أجنبية ضد الشعب الجزائري.

ما تقوم به السلطة الفعلية اليوم هو خوض لعبة شطرنج بقوانين فاسدة، حيث إنها تُبْقي على كامل قطعها الكبيرة، بينما ضحت بجميع بيادقها كي توهم الشعب بأنه في طريقه إلى تحقيق الانتصار، لكن الشعب إذا لم يكن في معسكره سوى بيادق فقط لمواجهة القطع الكبيرة، فأظن أن أي مهتم بلعبة الشطرنج يعلم أن النتيجة محسومة منذ البداية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد