لطالما بدت لي مهارة ارتداء العديد من الوجوه غير ممكنة، إلا أنني استشرفت كما غيري، قدرة صاحبها على رفع أو حط الآخرين بشبه كلمة منه، مع عدم قدرته على رفع ذاته إنشًا واحدًا عن مكانها لوحده، وهو بذلك لا يشبه إلا الدجاجة، التي رغم جناحيها إلا أنها لا تعلو عن الأرض بذكائها وجهدها، أما العوارض النابتة في أصحاب تلك المهارة غير مكشوفة لغير الملاحظ الواعي، ولأنها مهارة عادةً ما تمضي بغير دليلٍ واضح عليها، لكن ولسوء حظ الدجاجة جميع جيلنا شاهد كونان، «المحقق الذكي»، وتعلم منه خبرة التفتيش والتمحيص، لذلك في كل مرة يتحول بها الشخص إلى دجاجة، تسقط منه بيضة دون أن يدري، وتلك البيضة هي الذاكرة، صحيح أنه يملك وجوهًا متعددة، إلا أنه لا يملك سوى ذاكرة واحدة، فيكون من السهل بعد فترة كشف نشازه، من خلال جمع بيضه والمواجهة به، أما حياته، فتصبح مثل البيانو المعطل، يحاول فيها جاهدًا إعادة ترتيب الأوتار وتنظيم الأشرطة، لكنه في كل مرة لا يخرج عن النشاز، وهو بذلك دفع ثمن وجوهه العديدة، من خلال نسيان لمن هو حقًا.

أما السويّ منا في هذا العالم الفوضوي لا يبدو سوى كحبة بطاطس، رغم صلابتها غير أنها لا تخلو من الرطوبة في الداخل مما يجعلها غير قابلة للكسر أو المعس، بل تمتلك القدرة على التأقلم مع كل ذاك البيض دون أن تكسره ودون أن يمعسها، لذلك خرجت كلمة «حاج تبيض علينا»، كناية عن استهتار البطاطس بكلام الدجاجة .

وهذا كله إن عممناه عن دراية ووعي، لن يصلحُ لشخصية الدجاجة، سوى من يدير شؤون بلادنا، أولئك ملوك البيض، فإن تعطل الإنترنت مثلًا، صرّح أحدهم بأن الكابل الضوئي في البحر الكاريبي قضمه قرشٌ أسمر، لكننا نعمل على إصلاحه، صحيح أن المدرك لما حوله منا هو كحبة البطاطس، إلا أنّ العامة تعرضوا للسلق سنين عديدًا، حتى باتت السذاجة والطراوة من طبيعتهم وصاروا أكثر قابلية للمعس، بل ويرون أن المعس هو الأمر الطبيعي، وأشد الأمور واقعية، فهم لا يصدقون بيضة الكاريبي فحسب، بل يسلقونها بثقة ويقطعونها في طبخة واحدة، تُسمى بطاطس وبيض!

في الواقع لا شيء يستمر إلى ما لانهاية، لا بد أن ينتهي الغاز أو الحطب أو أي مصدر للحرارة التي يسلق به ملوك البيض العامة أو على أقل تقدير قد تبعث الطبيعة صخرة تفاجئ الجميع، من باب تغيير ذاك المشهد الذي لا ينم سوى عن غباء الدجاج في إدارة المواقف، فكان ضجر الناس من طبخة البيض والبطاطس هو تلك الصخرة، إلا أنهم عندما قرروا استبدالها بطبخات أخرى، وشراء مكونات جديدة لم يجدوا في جيوبهم دولار، لقد بحثوا جيدًا في جميع ملابسهم، وللأسف كانت خالية.

استدرك ملوك البيض الموقف وقالوا، أولًا تلك الصخرة أجنبية والدليل أنها غير قابلة للسلق، ثانيًا نحن ندفع إيجارًا للشمس في كل نهار تشرق فيه على هذه البلاد، ولأن الشمس صناعة أجنبية، لذلك نحن ندفع بالدولار، وهذا سبب نفاذه، فكانت تلك بيضة كبيرة، لم تجد حبة بطاطس ملائمة تستوعبها، ولا أخفيكم أني سمعت أحد حبات البطاطس يقول وهو في طور تحوله إلى ضفدع، يا إلهي يبدو أننا فقدنا الدولار إلى الأبد، ومن حينها وربما أكثر قليلًا، بتنا جميعنا ضفادع نعيش في هذا المستنقع، وكُلنا يحاول مرارًا ومرارًا القفز منه إلى نهر نتخيله موجودًا، لذلك آمل أن لا يكون النهر بيضتنا الثمينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد