كان لدينا في بيتنا منذ زمن بعيد -كما كان في بيوت معظم المصريين- مكان صغير لتربية الدجاج، كنا نسميه «عشة» كان تارة يأخذ جزءًا من باحة المنزل الخلفية أو الأمامية، وتارة يحتل قطعة من الشرفة إذ يوضع الدجاج في أقفاص صغيرة خشية أن يقفز إلى الشارع، وتراه في قرى مصر على أسطح البيوت القديمة.

الدجاجات كما تعرفونها، لا تهتم إلا بتناول الطعام ووضع البيض، تراها مشغولة طيلة نهارها، تبحث في خشاش الأرض تلتقط بمناقيرها الحبوب أو بقايا الطعام، هكذا خلقها الله! تأتي أمي كل أسبوع وتنتقي دجاجة سمينة، ثم تذبحها، أما باقي الدجاجات فتفر مسرعة كل منها يقول «نفسي نفسي» وبينما دم رفيقتهم ما يزال على تراب «العشة» تمر باقي الدجاجات بجانبه فلا تعيره انتباهًا، ويصدح الديك في اليوم التالي معلنًا ميلاد صباح جديد، وتتدافع الأفراخ إلى البحث عن الحبوب وهكذا دواليك.

الحقيقة لم أعرف أبدًا، هل تدرك الدجاجات أن صويحباتهن لم يعدن موجودات؟ أم أن التقاط الحب كان هو ما يشغل جل اهتمامها؟ ليس لنا أن نتساءل لماذا لم يتخذ الدجاج موقفًا أمام هذا الظلم. لأن طبيعة الدجاج التي خلق لها، أنه مهيأ لخدمة البشر، أو أنه حلقة من حلقات الغذاء في هذا الكون الواسع. الدجاج يأكل الدود والقمح والذرة، ويبيض، يفقس البيض فتخرج الأفراخ الصغيرة التي لا تلبث حتى تكبر وتصبح دجاجًا وهكذا، تستمر قصة حياة الدجاج إلى يوم الدين.

تلفتت حولي فلم أجدني إلا دجاجة في وسط قطيع من البشر المدجنين، صرنا نرى الذبح فينا مستعرًا وقائمًا، فلا نتأثر إلا قليلاً! ربما بعضنا جريح القلب والوجدان، بعضنا يدعو أحيانًا لأخوة الدم والدين، ننشغل قليلًا بهم ثم تجبرنا شؤون الحياة على صرف أفكارنا باتجاه آخر لكن، إن كان الدجاج نفسه قد تمرد مرة، أفلا يكون هناك أمل فينا؟

هل تذكرون فيلم الكارتون الشهير (Chicken Run) أو (ركضة الدجاج) الذي يتحدث عن ميلاد دجاجة مفكرة؟ دجاجة تمردت على وضع الدجاج في المزرعة، واستطاعت أن تؤسس تمردًا داخل العش، وتهرب بكل الدجاج في طائرة بدائية الصنع، ليبني الدجاج مستعمرة حرة خاصة به حيث لا يتعرض لسكين البشر وحيث يكون كل البيض ملكًا للدجاجات، ويعيش الجميع في سلام وأمان. صحيح أنها في البداية، لم تفكر أبدًا أنها تستطيع الاعتماد على نفسها والطيران، وغرر بها ديك كذاب، استساغ الشهرة الكاذبة، واستهتر بالآمال المعقودة عليه، واستهان بأحلام الدجاجات البريئة. ثم انكشفت حقيقته، وهنا أدركت الدجاجة المفكرة، أن عليها الاعتماد على نفسها وعلى قدرتها ومصادرها الذاتية. ومن هنا بدأ النجاح. لا شك عندي أن هناك البعض ممن لا يشبهوننا. لا يشبهون باقي القطيع.

بعض قليل تحرر من أسر العش الفضي الذي نعيش فيه تغلفه شهواتنا، بعضهم لم يعد هنا، والبعض الآخر مرابطون على الثغور. ثغور حسية وثغور معنوية. هذه الحفنة الضئيلة، حفنة الذهب اللامعة وسط التراب، هي أمل قطيع الدجاجات البشرية التي أنا منها.

أملنا في يوم ما، أن يأتوا إلينا ومعهم تلك الطائرة السحرية التي تدربوا على إنشائها في الخفاء، بعيدًا عن رهبة السكين، وبعيدة عن تغرير الديوك البشرية الزائفة التي تملأ المكان صياحًا وجلبة، ولا شيء لديهم إلا الخواء. تلك الطائرة الخشبية البسيطة، ما أن رأتها الدجاجات العادية، بثت داخلها روح العزيمة مكان الوهن، واستنارت العقول الرازحة تحت وطأة التفكير في طعامنا وشرابنا وشهواتنا اليومية، فعملت كل العقول معًا، نحو الهدف المنشود. منذ ذلك اليوم، اليوم الذي شاهدت فيه الدجاجات تصنع الطائرة، ثم تقودها بعيدًا عن المزرعة.

يراودني أمل وألم. ألم أن نعيش نحن المسلمين على هامش الحياة، لا نفكر إلا تحت أرجلنا. وأمل أن هناك حتمًا يومًا قادمًا، تتحرر فيه الأفراخ الصغيرة من نصل السكين المسلط على رقابنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد