منذ عشرات السنين روى أحد المعلمين الأفاضل وكان يتصف بالذكاء والحكمة والحلم وسرعة البديهة قصة ساخرة ومعبرة مفادها أنه لا يستسلم للإحباط والإحراج المحيطان به بين طلبته إذ إنه حارب الإحباط والإحراج القليل بالإحباط والإحراج الكثير.

وبالطبع لم يكن جادََا بالأمر، لكنه أراد الإشارة إلى أن العقل هو جوهر جميع الناس، وأن سر التفاوت بين الإنسان والإنسان يكمن في أن البعض يطرح المشكلة حتى يحاول حلها والبعض الآخر يصنع المشكلة، حتى لا يستطيع لا هو ولا حتى غيره حلها، وهكذا يتبرمج العقل على صعوبة حل المشكلات ويتجه التفكير إلى أن هنالك مشكلات خلقت بدون حل، بالرغم من أن المشكلة لم تخلق، إنما الإنسان هو من صنعها.

يقول هذا المعلم وهو معلم «للغة العربية» في إحدى السنوات كنت ألقي الدرس على الطلاب أمام اثنين من رجال التوجيه لدى الوزارة الذين حضروا لتقييمي، وكان هذا الدرس قبيل الاختبارات النهائية بأسابيع قليلة، وأثناء إلقاء الدرس قاطعه أحد الطلاب قائلًا: يا أستاذ «اللغة العربية» صعبة جدًا، وما كاد هذا الطالب أن يتم حديثه حتى تكلم كل الطلاب بنفس الكلام، وأصبحوا كأنهم “حزب معارضة” فهذا يتكلم هناك، وهذا يصرخ، وهذا يحاول إضاعة الوقت، وهكذا سكت المعلم قليلًا، ثم قال: حسنًا لا درس اليوم، وسأستبدل بالدرس «لعبة»، فرح الطلبة وتجهم الموجهان.

رسم هذا المعلم على اللوح «السبورة» زجاجة ذات عنق ضيق، ورسم بداخلها دجاجة، ثم قال: من يستطيع أن يخرج هذه الدجاجة من الزجاجة؟ بشرط أن لا يكسر الزجاجة ولا يقتل الدجاجة! وبدأت محاولات الطلبة التي باءَت بالفشل جميعها، وكذلك الموجهان، فقد انسجما مع اللغز وحاولا حله، ولكن باءَت كل المحاولات بالفشل، عندها صرخ أحد الطلبة من آخر الفصل يائسََا: يا أستاذ لا تخرج هذه الدجاجة إلا بكسر الزجاجة أو قتل الدجاجة، قال المعلم: لا تستطيع خرق الشروط، قال الطالب متهكمًا وساخرََا: إذًا يا أستاذ، قل لمن وضعها بداخل تلك الزجاجة أن يخرجها كما أدخلها.

ضحك الطلبة، ولكن لم تدم ضحكتهم طويلًا؛ فقد قطعها صوت المعلم وهو يقول: «صحيح، صحيح»، هذه هي الإجابة، من وضع الدجاجة في الزجاجة هو وحده من يستطيع إخراجها، كذلك أنتم وضعتم مفهومًا في عقولكم، أن اللغة العربية صعبة، فمهما شرحت لكم، وحاولت تبسيطها، فلن أفلح، إلا إذا أخرجتم هذا المفهوم بأنفسكم دون مساعدة، كما وضعتموه بأنفسكم دون مساعدة.

يقول المعلم: انتهت الحصة وقد أعجب بي الموجهان كثيرًا، وتفاجأت بتقدم ملحوظ للطلبة في الحصص التي بعدها، بل تقبلوها قبولًا سهلًا يسيرًا، وهكذا يمكننا أن نرى أن معلم اللغة العربية بالرغم من مبالغته في اللغز، قد عرض لنا صورة مختصرة عما كان يصوره العقل في زمانه، إذ إنه لو عاش حتى يومنا هذا، ورأى رؤساء وملوك ومسؤولين من نوعية القرن الواحد والعشرين، فأي ذكاء كان ينجد عقله في الفهم وإفهام غيره؟

ماذا سيكون مصير دجاجة أمام مصير وطن أدخلوه في أزمة اقتصادية خانقة، وقالوا للشعب اخرج من الأزمة بشرط أن لا تجوع ودون أن تثور؟ وماذا سيكون مصير كسر زجاجة أمام مصير شعب أدخلوه في حرب، وقالوا له اخرج منها بشرط أن لا تنزح، ولا تقاتل ولا تمت؟ وهل كان المعلم يتحمل مسؤولية إدخاله الدجاجة في الزجاجة لو سمع برئيس لا يتحمل مسؤولية ما تفعله المؤسسات من الانتهاكات فقط لأنه لا يتحمل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد