عانت الشخصية ذات المرجعية الإسلامية، على مر العصور، من مجموعة من الأمراض التي كادت أن تفتك بها أو على أقل تقدير تفقدها تأثيرها وفعاليتها، ومن هذه الأمراض ما يمكن تسميته بعقدة «المشيخة المعرفية»، حيث إن ما يكتبه الشيخ أو المربي أو ما يقوله الأكبر سنا أو الأسبق انتسابا هو الحق المطلق الذي لا ينبغي أن يُنتقد أو يناقش. وهذه العقدة المرضية تصيب الكثير من المنتسبين للحركات الإصلاحية والجماعات الدعوية.

فيتحول الواحد منهم إلى «تابع مطيع» بشكل تكاد تنتفي فيه شخصيته تمامًا، فلا رأي له فيما يتلقاه، ولا مراجعة لما يقرؤه أو يتدارسه، ولا يستطيع أن يعترض على أمر قائم، أو اقتراح قادم «فمن اعترض انطرد» كما يقول المتصوفة، فمن تمادى في اعتراضه طرد من الطريقة وفقد المدد!

وهذا يعني أن إحدى مكونات الشخصية، وهي حرية الفكر وإعمال العقل تغيب تمامًا في ظل هذه العقدة المرضية، فالشيخ والأكبر سنا والأسبق أكثر قدرة على الفهم ومعرفة الأمور وتقييمها في نظر تلامذته ومريديه، والاعتراض عليه معصية لله، مما يعد ذلك إكراهًا معنويًا للفرد يمحو شخصيته، ويحول دون تنميتها، وهذ أفرز أجيالا اعتادت أن تقاد ولا تقود. أجيالا عاجزة عن التجديد والابتكار فضلا عن الإبداع، أجيالا رهينة للتبعية والنمطية في الأفكار والأقوال. أجيالا خاضعة للموروث والمألوف (والموروث والمألوف يغلب العقول، بل يعميها).

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما­ قال: «بينما نحن عند النبي (صلى الله عليه وسلم) جلوس، إذ أُتيَ بجمَّار نخلة (قلب نخلة) فقال وهو يأكله: إن من الشجر شجرة خضراء، لما بركتها كبركة المسلم، لا يسقط ورقها، ولا يتحات. وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي، فقال القوم: هي شجرة كذا، هي شجرة كذا، ووقع في نفسي أنها النخلة، فجعلتُ أريد أن أقولها، فإذا أسنان القوم، فأهاب أن أتكلم، وأنا غلام شاب، ثم التفت فإذا أنا عاشر عشر أنا أحدثهم، أصغر القوم، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فسكت.

فلما لم يتكلما، قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ فقال: هي النخلة.

فلما قمنا قلت لعمر أبي: والله يا أبتاه، لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال ما منعك أن تقولها؟ قلت: لم أركم تتكلمون، لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما، وأنا غلام شاب، فاستحييت، فكرهت أن أتكلم، أو أقول شيئًا، فسكت، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا رواه البخاري ومسلم.

فحين يقوم المربون بمدارسة هذا الحديث يتم التركيز على أهمية خلق الحياء واحترام كبار السن والشيوخ ـــ وهذا لا خلاف عليه ــ وعدم الكلام في حضرتهم أو المبادرة في إبداء الآراء حتى عند التيقن بصحة الرأي ووجاهته.

ويغفل المربون عن كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه موجها ابنه: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا وهو تشجيع لابنه على الكلام والمبادرة بالرأي، وهذا في طياته تشجيع على حرية الفكر وإعمال العقل.

فالمربون يركزون جهدهم على التربية الإيمانية والجانب الروحي لدى الأفراد، وإن كانت هناك فسحة من الوقت وجهت بعض الجهود للجوانب الأخرى ومروا عليها في غير عناية ولا تركيز مما أحدث خللا ظاهرا في تكوين الأفراد بما يجعلهم أدوات تنفيذ لا كائنات تفكر.

ومن هنا وجب إعادة تصويب تكوين الشخصية المسلمة لتكون في مستوى تحديات الغد ومطالبه. قادرة على التعامل مع واقع جديد أفرزته ثورة معلوماتية هائلة، وتواصل تكنولوجي منقطع النظير، واقع العولمة الجامحة، والذي لا يمكن أن يصمد أمام تياره إلا من امتلك عقل يقظ وفكر حر.

ويكون ذلك بمراجعة وإعادة تشكيل للمناهج والأوعية التربوية بما يتلاءم مع روح العصر ومستجداته، واعتماد الحوار داخل العملية التربوية، وفتح المجال للفرد في المطارحة والحوار حتى يتدرب على تأسيس قناعاته بنفسه، فيساهم في تكوين شخصيته وبناء ذاته. تبني كل صاحب فكر ورأى واحتضانه وتوظيف مهاراته وعدم تهميشه وتثبيطه، تزويد الفرد بالأدوات والآليات العلمية والتربوية والتي عن طريقها يؤسس لنفسه شخصية مستقلة، بتشجيع الاطلاع على دراسات واضحة ومبسطة عن تطور التفكير الإنساني بما ينمي العقل وملكة التفكير والحوار واحترام الرأي الآخر، ودراسة النهضة العلمية الحديثة (تاريخها ومقوماتها ونتائجها)، وغرس حب القراءة والبحث والاطلاع، وأهمية الوعي بعصرنا وواقعنا وبالعلم من حولنا، إعطاء الأولوية لقضايانا ومشكلاتنا الفكرية والعلوم والمذاهب المعاصرة، التفاعل الجاد بين التراث والفكر والعلوم الحديثة وواقعنا الخاص، هذا وغيره الكثير مما يمكن اقتراحه وإضافته على أن يكون ضمن قواعد ومنهج تفكير منتج لا مجرد أفكار متطايرة مهما كانت صحيحة.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المعرفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد