إن الاستثمار في العنصر البشري من أهم القضايا التي تشغل الباحثين في عصرنا الحالي، ومن أجل ذلك ترتكز توجهات الدول الحديثة على توفير الرعاية الكافية لفئة الشباب والأطفال وحمايتهم للحيلولة دون الوقوع في الانحراف والجنوح في ظل التطورات والصراعات التي تشهدها البشرية جمعاء.

والجنوح من أخطر الحالات التي يمكن أن يقع فيها الطفل الحدث، ولهذا أولت المجتمعات المعاصرة اهتمامًا بالغًا بظاهرة جنوح الأحداث بالدراسة والتحليل من حيث دوافعها وعوامل انتشارها.

والمشرع الجزائري على غرار التشريعات العالمية الأخرى أفرد عناية خاصة بالطفل الجانح عن طريق سن مجموعة من القوانين الوقائية والردعية، هدف من خلاها إلى حماية الطفل الجانح والمعرض لخطر الجنوح، تضمنت هذه التشريعات جملة من الضمانات والآليات لرعايته، وخص الطفل الجانح بقضاء متخصص ذي إجراءات تختلف عن القضاء العادي، كما استحدث مؤسسات متخصصة للعناية بهذه الفئة. (1)

نحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء على ظاهرة جنوح الأحداث في الجزائر وأسباب تفشيها والآليات القانونية التي وضعها المشرع الجزائري لمعالجة هذه الظاهرة.

أسباب انتشار ظاهرة جنوح الأطفال في المجتمعات الحديثة

في دراسة تحليلية معمقة لظاهرة جنوح الأطفال وقفنا على أسباب الظاهرة، والتي يمكن تقسيمها إلى أسباب عامة وأسباب علمية:

الأسباب العامة لظاهرة جنوح الأطفال:

ازدياد سكان العالم خاصة في دول العالم الفقيرة، بحيث تدل الدارسات بأن عدد الأحداث والشباب من سكان العالم بلغ 600 مليون شخص.

دخول التكنولوجيا بشكل سريع أدى إلى عدم التوازن الديمغرافي، إضافة إلى الانحلال الأخلاقي وتفكك القيم الثقافية والروابط الاجتماعية التقليدية.

التنمية والتصنيع حيث أدت إلى تغيرات اقتصادية ومادية أثرت في القيم الاجتماعية والمعتقدات الدينية المتعلقة بالأسرة ودورها الاجتماعي وأنماط التربية.

ترسيخ نظرية العائلة الصغيرة المستقلة والابتعاد عن نمط العيش في الأسر الكبيرة، والذي أدى إلى الإقلال من الترابط الأسري وغياب عامل النصح والإرشاد.

سهولة انتقال المعلومات المرئية عبر وسائل الاتصال الحديثة، وهذا ساعد على انتقال الثقافات الدخيلة وتقليدها من قبل المجتمعات الأخرى.

البطالة وسوء الأحوال الاقتصادية وعدم وجود عدالة في توزيع الموارد المعيشية الأساسية. (2)

الأسباب العلمية لظاهرة جنوح الأطفال

تتمثل هذه العوامل في الظروف النفسية والبيولوجية التي يمر بها الحدث أو الحالات التي قد يقع فيها أو تصادفه، كما قد تكون تلك الظروف المحيطة به.

العوامل النفسية: قد يصاب الطفل بأمراض نفسية نتيجة التنشئة الخاطئة وكرد فعل داخلي تلجأ شخصيته إلى محاولة حماية نفسها، وعندما يتعذر عليها التوفيق في ذلك يبدو عليه القلق والعصبية والوسواس ويفقد الثقة في أسرته، والمصاب بهذه الأمراض لا يبدو عليه أي خلل عضوي لكنه يميل للتمرد على العادات والتقاليد الاجتماعية ومحاولة إثبات الذات.

العوامل البيولوجية: إن الضعف العقلي والنقص في درجة الذكاء يؤدي إلى عدم القدرة على التكيف الاجتماعي والقيام بتصرفات غير متوافقة مع قيم المجتمع. ومن جهة أخرى فإن نقص أو عدم اكتمال النمو العقلي للشخص سواء لعوامل وراثية أو نتيجة أمراض عضوية تؤثر في جهازه العصبي يؤدي إلى نقص الذكاء وضعف المستوى.

العوامل الاجتماعية: من الطبيعي تأثر الطفل بسلوك من حوله وعلى أساسه يقرر الصواب من أعماله أو الخطأ فيها، فالصواب ما يأتيه الوسط من أفعال وحتى لو كانت غير قانونية أو سيئة ولتبيان ذلك نقف عند الوسط العائلي والمدرسي والبيئي (3)

1 – الوسط العائلي: إن تربية الحدث ليست مجرد جهد شخصي يقوم به الأبوان، بل هو فن وعلم في آن واحد، فمن العوامل الأسرية المساعدة على انحراف الحدث نجد عمل الوالدين مما يؤدي إلى حرمان الحدث من التربية والرعاية اللازمتين، وأيضًا سوء الحالة الاقتصادية للأسرة تشكل عاملًا مهمًّا في انحراف الطفل.

وعليه قد تكون العائلة عاجزة عن التنشئة الاجتماعية، وذلك بسبب التفكك الأسري وتصاعد منحنى ظاهرة الطلاق في المجتمعات الحديثة ناهيك عن المعاملة السيئة للأولاد وأخطاء في الممارسة التربوية، مما يؤدي إلى هروب الأطفال إلى الشارع للبحث عن بدائل وهو ما يؤثر سلبا في سلوكهم ويدفعهم إلى الانحراف.(4)

2 – الوسط المدرسي: المدرسة هي المجتمع الخارجي الأول الذي يصادف الحدث بعد خروجه من الوسط العائلي، ففيه يقضي الطفل الساعات الأطوال من وقته خارج الوسط الأسري، مما يتطلب منه أن يتأقلم مع ذلك الوسط الجديد، إلا أن هذا الوسط التعليمي التربوي قد يعتريه خلل في العملية التربوية وهو ما يؤثر سلبا في الطفل ويؤدي إلى انحراف سلوكه، ومن أسباب عدم تحقق الدوري التربوي للمدرسة نجد:

عدم كفاءة المعلم، فالمعلم يتدخل في تكوين شخصية الطفل كموجه لسلوك وحافظ للنظام واعتباره القدوة أمام طلابه. ووجود الطفل تحت مسؤولية معلم غير كفؤ ينتج لنا طفلا مضطرب الشخصية.

عدم الاهتمام بالكفاءة العقلية المتفاوتة لكل حدث أثناء تلقي علومه.

عدم تناسب المناهج العلمية المدرسية في بعض الأحيان مع الطفل.

النظام اليومي الروتيني في عمل المدرسة وقصر الحجم الساعي المخصص النشاطات الرياضية والترفيهية لاعتبار أن تلك النشطات تصقل سلوك الحدث وتعمل على تهذيبه وتنمي مواهبه.

الفشل في الدراسة يؤدي إلى هروب الحدث من المدرسة واتباع رفاق السوء في الشارع.

3- الوسط البيئي: لا تقتصر البيئة على الظروف المادية الملموسة، بل تشمل أيضا الجانب المعنوي للبيئة كالثقافة والتعليم والأفكار السائدة، ويبدو أثر البيئة أكثر فاعلية ووضوحا في السن المبكرة للفرد، فالبيئة تعمل على نقل الأفكار والمعاني المختلفة لظواهر الحياة التي تؤثر في طريقة تفكير الفرد كما أنها تنقل للفرد المبادئ والقيم وبالتالي تؤثر في سلوكه وتدفعه إما للاستقامة أو للانحراف. ويكون هذا العامل أكثر خطورة خاصة بالنسبة للطفل الذي غادر المدرسة مبكرًا ووجد نفسه في جو من الفراغ وسط أبناء حيه فهو في هذه الحالة في جاهزية ليتلقى منهم كل أنواع العادات الانحرافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد