إن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي طرأت على المجتمع الجزائري، خاصة في السنوات الأخيرة، أثرت سلبًا في تماسك الأسرة الجزائرية مما جعلها تتخلى عن دورها التربوي، وبالتالي كانت سببًا من أسباب الانحراف المتزايد للأحداث من سنة إلى أخرى، وذلك ما أكدته الإحصائيات والمعطيات المسجلة عن ظاهرة الجنوح والتي تنذر بأن المجتمع الجزائري أمام كارثة حقيقية تهدد مستقبل أجياله القادمة.

من خلال الدراسات السابقة التي أجريت على حالات الجنوح تبين لنا تداخل مختلف العوامل المسببة المذكورة سابقًا، (1) وبالرغم من اختلاف التحليلات لكنها تجتمع كلها في إرجاع أسباب الجنوح إلى التطورات التي شهدها المجتمع الجزائري في جميع الميادين الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية والأمنية.

أسباب ظاهرة جنوح الأطفال في الجزائر

– تزايد النمو الديمغرافي التي ميزت المجتمع الجزائري غداة الاستقلال، وما نتج عنها من ارتفاع لعدد الأفراد داخل الأسرة الواحدة أمام عجز هذه الأخيرة من الناحية المادية عن التكفل الجيد بأطفالها في ميدان الرعاية والتربية نتيجة الفقر وسوء الظروف المعيشية.

– الاكتظاظ داخل أقسام الدراسة مما أدى إلى ضعف التحصيل العلمي، وتفاقم ظاهرة التسرب المدرسي التي تؤدي بالطفل إلى احتراف أعمال هامشية تجره في أغلب الأحيان إلى الجنوح.

– النزوح الريفي نحو المدن الكبرى وما نتج عنه من تشكيل أحياء قصديرية تفشت فيها مختلف الأمراض الاجتماعية، و على رأسها البطالة، وما يشكله ذلك من بيئة ملائمة لتغذية الانحراف.

– انصراف الأسرة عن القيام بدورها داخل المجتمع، نتيجة تراجع الوازع الديني والأخلاقي وغياب الرقابة الاجتماعية، التي كانت تشكل رادعًا لكل سلوك منحرف.

– تأثير الغزو الثقافي والفكري الذي صاحب التطور التكنولوجي من خلال القنوات الفضائية الأجنبية وشبكة الإنترنت، خاصة بالنسبة للأطفال في سن مابين 10 و16 سنة الذين أثبتت الدراسات النفسية أنهم يتأثرون بسهولة بالعدوانية والعنف والجنس.

– الوضع الأمني الذي عرفته الجزائر منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي وما خلفه من آثار سلبية على نفسية الأحداث الذين كانوا ضحايا أعمال إرهابية، سواء مستهم بصفة مباشرة أو مست ذويهم.

– غياب هيئات مؤهلة للتكفل الفعلي بالأطفال المنتمين للعائلات التي تعاني من حالات التفكك الأسري، سواء نتج من انفصال الأبوين، أو غيابهما، أو وفاتهما. (2)

أمام هذه الظروف سعى التشريع الجزائري إلى البحث عن حلول للحد من هذه الظاهرة ووالى إيجاد آليات للتكفل بالطفولة الجانحة.

آليات الحماية القانونية للطفولة الجانحة في الجزائر

في هذا الصدد هدفت السياسة الجنائية في الجزائري منذ الاستقلال إلى إعادة التربية وليس إلى العقاب، وذلك من خلال إعادة إدماج الأطفال الجانحين في المجتمع كمواطنين صالحين. ولهذا فقد أوجد المشرع العديد من الإجراءات الخاصة بمعاملة الأحداث الجانحين والذين هم في خطر اجتماعي قد يؤدي للانحراف. وذلك باستحداث قضاء خاص يعنى بجرائم الأحداث كما اوجد جملة من المؤسسات المتخصصة في حماية الطفولة والمراهقة هي مؤسسات عمومية ذات طابع إداري تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، توضع تحت وصاية الوزارة المكلفة بالتضامن الوطني، وتتجسد هذه المراكز في :

– مركز متخصص في إعادة التربية.(CSR)

– مراكز متخصصة في الحماية.(CSP)

– مراكز متعددة الخدمات لوقاية الشبيبة.(CPSJ)

– مصلحة للتوجيه والملاحظة في الوسط المفتوح.(SOEMO)

تتولى هذه المؤسسات مجموعة من المهام المؤطرة قانونًا تتمثل هذه المهام في :

– تتولى مهام ضمان التربية وإعادة التربية والحماية وإعادة الإدماج للأحداث الموضوعين من قبل الجهات القضائية للأحداث والسهر لاسيما على صحتهم وتربيتهم وتكوينهم ورفاهيتهم وتنميتهم المنسجمة في وسطهم المعتاد (الأسري المدرسي و المهني).

– تتولى مهام ضمان التربية وإعادة التربية والحماية، وإعادة الإدماج للأحداث الموضوعين من قبل الجهات القضائية للأحداث.

– تقوم بنشاطات الوقاية من أجل تحديد الشباب الموجودين في خطر معنوي وتحديد، عند الاقتضاء، نوع التكفل المناسب لهم.

– تتولى دراسة شخصية الحدث وقدراته واستعداداته بالملاحظة المباشرة وبمختلف الاختبارات وتحقيقات الاجتماعية مع ضمان المتابعة النفسية والطبية للحدث وضمان تغذية صحية متوازية

– مراقبة سلوك الحدث وتقييمه وضمان تربية مدنية وأخلاقية بهدف تعزيز احترام القيم لدى الحدث.

– السهر على المرافقة العائلية طوال عملية التكفل بالأحداث قصد الحفاظ على الروابط مع أسرهم مع ضمان التمدرس والتكوين المهني للأحداث بالاتصال مع القطاعات المعنية مع ضمان توفير النشاطات الثقافية والترفيهية والرياضية.

– السهر على إعادة التكييف وإعادة الإدماج العائلي والاجتماعي والمدرسي والمهني للأحداث، ومرافقة الأحداث في إعداد مشروعاتهم الاجتماعية والمهنية وفق احتياجاتهم. (3).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد