«العرب لا يقرؤون، وإذا قرؤوا فإنهم لا يفهمون، وإذا فهموا فإنهم لا يفعلون شيئًا».

الجملة السابقة منسوبة إلى موشي ديان، حينما سُئل عن أن تكتيكات حرب الأيام الستة ليست جديدة على العرب، ورغم أنه مشكوكٌ في صحة نسبها وأصلها، إلا أنه ما من شكٍ في صحة محتواها.

العرب والمسلمون في هذا الزمان ممن يعيشون في هذه المنطقة المنكوبة من العالم قد رضخوا تحت القهر والذل وعدم الاشتراك الاجتماعي عقودًا طوالًا، ومما لا شك فيه أن هذا الرضوخ سبب خللًا في المنهجية العقلية المسلمة، خصوصًا في استقراء التاريخ، وحديث التاريخ لا تكمن أهميته في الفرقعات أو المناكشات الإعلامية التي نسمعها من حينٍ لآخر، ولا هي بقاصرةٍ على البحث الأكاديمي فقط، وإنما تكمن أهمية فهم التاريخ في أنه يحدد اتجاه المستقبل، فالأمة التي لا تعرف تاريخها محتوم عليها أن تكرر أخطاءها.

المعضلة أننا ننظر للتاريخ كما نريد أن نراه، نريد أن يكون التاريخ طمأنةً لنا أننا لسنا متخلفين لجيناتنا العربية، أو لديننا الذي ننتمي له، نريد أن نجد مهربًا أو ملجأً من فشل الحاضر، وبهذا يجب أن يتم وضع هالة من القداسة على كل ما هو تاريخي وتنقيته من أي شائبة، تقديس السلف إن شئت هو أحد أخطر أمراض الأمة الإسلامية، وبذلك لا تنظر عيوننا للتاريخ بعينِ من التدبر والاعتبار واستخلاص العبر كما أمر تعالى، وإنما نتعاطى أفيون التاريخ المنقح، للهروب من فشل الحاضر، وبؤس المستقبل، وسوء المنقلب.

كنموذج مقابل، ألمانيا التي تعتبر من أكثر دول العالم مناداةً بالتعددية وحرية المعتقد ونبذ العنصرية عانت من تاريخ مثقل بجراح النازية والعنصرية رأت فيه طريقًا للهلاك، فاعترفت به واعتذرت عنه ثم  حددت وجهتها المستقبلية بأن تقدم للعالم النموذج البديل، ذلك النموذج الذي يسمح لما يقارب المليون ونصف مليون لاجئ أن يعيشوا على خيراتها ورعايتها وهم ليسوا من عرقها أو دينها، غير أنها لو اتخذت منهجنا في طمس التاريخ والإيمان بالروايات الضعيفة ونظريات المؤامرة، لوجدنا ألمانيا مختلفة تمامًا، ألمانيا تبرر ما حدث في الماضي بأنها «احتياجات الزمان» أو أن كل قصص المحرقة والقتل «مفبركة» من أعداء الآرية واليهود المسيطرين على العالم الذين يريدون تشويه تاريخ هتلر المجيد!

وكمثال لطريقة عمل العقل الجمعي المسلم، سل الناس من أسقط الخلافة العثمانية، الإجابة ستخرج سريعًا بأتاتورك، ذلك الشيطان الذي كنا قبله في عز الخلافة ثم استيقظنا ذات يوم لنجدها انتهت على يديه البغيضتين، لكن قليلًا من يقر بأن الخلافة كانت «رجل أوروبا المريض» كما سميت من مؤرخي ذلك الزمان، تلك (الخلافة) التي لم تستطع مجاراة نهضة أوروبا العلمية أو الصناعية واعتمدت على الغزوات والزراعة والضرائب الزراعية كمصادر رئيسية للدخل رغم قدمها، وهي أيضًا التي اشتركت في حربٍ لا ناقة لها بها ولا جمل مع الألمان، خرجت منها وقد خسرت كل أراضيها بما في ذلك عاصمتها إسطنبول، ثم في النهاية قاد أتاتورك حرب الاستقلال لينجح في إجلاء الجيوش المحتلة ويرسم مستقبل تركيا كما رأى. إذًا مما سبق يتضح أن الأدق هو القول إن أتاتورك لم يُسقط الخلافة، أتاتورك أعلن ساعة الموت فحسب.

من السهل صب سيل الغضب الجمعي لانهيار الخلافة العثمانية على شيطان أتاتورك، لكن من الصعب أن ننظر لمراجعة تلك الحقبة التاريخية والوصول إلى الأسباب التي أدت إلى احتلال إسطنبول من جيوش الإنجليز والفرنسيس والطليان واليونان، من السهل للعقل الجمعي المسلم أن يرى أن الخلافة كانت تحلق في أعلى المجد، ثم فجأة دون سبب وُلد أتاتورك فاختفت الخلافة بشكل سحري.

الإيمان بالقطعيات هو أحد أمراض العقل الجمعي المسلم، فهو ملقن منذ الصغر وجهات نظر تاريخية – قد تكون ضعيفة أو خاطئة أصلًا – على أنها حقائق جامدة لا تقبل المساس والنقاش، أي محاولة لتفسير الماضي أو مناقشته تعتبر كفرًا ومروقًا من الدين، فقطعًا لم تسقط الأندلس بسبب الصراع العرقي بين العرب اليمانية والشامية والمولدين وبسبب تفتت الدولة إلى دويلات صغيرة في مقابل الحلف القشتالي الأرغوني المسيحي، ولكن سقطت لأن جواسيس ألفونس رأوا الشباب يعزفون الموسيقى أو ينشدون الغزل، هكذا فقط! وقطعًا لم تسقط الأمة الإسلامية بسبب عدم مجاراتها للمجتمع الصناعي الغربي وبسبب اضطهاد فلاسفتها ومفكريها ومبدعيها، لم تسقط الأمة بسبب تغول الاهتمام بالعلوم الدينية على حساب العلوم (الدنيوية)، لم تسقط الأمة لأننا لم نحدث طريقة تفكيرنا ولم نجتهد لنجدد من مفهومنا للدولة والاقتصاد والسياسة والحكم والأقليات والعلاقة بين الحاكم والمحكوم كما فعل فلاسفة العقد الاجتماعي والسياسة والاقتصاد وعلماء الاجتماع في أوروبا.

لا يؤمن العقل الجمعي المسلم (الطفل) بالأسباب السابقة، لأنه لُقن أننا تخلفنا فحسب لأننا تركنا ديننا، فبحسب هذا التفسير (الطفل) كان الناس على أشد التدين والورع والتقوى في العصر الأموي وفي العصر العباسي وفي العصر العثماني والأيوبي والمملوكي، ثم في يوم ما وبشكل سحري في وسط التاريخ ترك الناس دينهم كما يترك الرجل حقيبته، وقلت صلاتهم وانجلى ورعهم فما لبثوا إلا أن وجدوا أنفسهم وقد تكالبت عليهم الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها.

أسباب تخلفنا عديدة، من أهمها ذلك العقل (الطفل) الذي نمتلكه جمعيًا، ذلك العقل الذي لا يستطيع أن يبني حجة منطقية على أسس من النقد والشك والبرهان والاستقراء والاستدلال المنطقيين كما أسس الفلاسفة المسلمون، في المقابل العقل الطفل ينقاد للانفعالات والعواطف الطفلية، ينقاد للـ(ما أريد) بدلًا من الـ(ما يكون)، ذلك العقل يرضى بأبسط التفسيرات القطعية التي تربى عليها كي لا يُدخل عقله في متاهات الشك والنقد وتعدد الآراء واختلافها وتناقضها وفي النهاية احترامها، العقل الطفل يؤمن بالتفسيرات السحرية الفجائية والقطعية، يؤمن بانقسام الدنيا لفسطاطين خير تام وشر مطلق بينهما عداءٌ مستعر، بدلًا من إيمانه بتعقيدات الحكم والسياسة والمصالح والاقتصاد، العقل الطفل جديرٌ بأن يتخبط في ظلام التخلف لأن العقل الراشد والناضج فقط هو الذي يخترع المصباح الكهربائي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العقل
عرض التعليقات
تحميل المزيد