إن الغريزة فعل اضطراري، شيء فطري منغرز في الإنسان، وبالتالي فلا شيء يمنعه من ممارستها بحرية، لكن المشكل الكبير هو التحكم. من المتحكم في الغريزة؟ الإنسان أم هي نفسها المتحكمة فيه؟ وبحديثنا عن الإنسان فنحن نتحدث عن إنسان عاقل، لديه عقل يفكر به ويميز بين الأشياء عامة، ويعرف مصلحته أين تكمن، ويسعى أيضًا للمعرفة، وبينه وبين المخلوقات الأخرى فرق كبير، إنه نوع فريد صانع ومبدع، والآن أصبح المسيطر على الطبيعة، أو جزء منها بحكم جوانب لا قدرة له عليها.

ولو حررنا مجلدات عن الإنسان ودوره في الوجود وبصمته لن نستطيع إكمالها، وبحديثنا عن الولادة أو الإنجاب، كان هذا الأمر الأساسي الذي يقوم به الإنسان ما بين الماضي والحاضر للحفاظ على الجنس البشري، وتجد في القديم زوجين لديهم أكثر من عشرة أبناء وأكثر، وذلك هدفه واحد مع العلم أن الوضع متغير من زمان لزمان، الماضي ليس هو الحاضر، والبارحة ليست كاليوم، وهكذا، لكن في مجتمعنا المغربي أو غيره، حتى في أوروبا وفي كل أنحاء العالم بشكل عام. في زماننا هذا ما الهدف من كثرة الأبناء؟

يجب مراعاة الظروف التي تعيشها بلداننا العربية أو بعضها، إن المشاكل الكثيرة في المغرب من تعليم وشغل وهجرة وصحة… لا يحتِّمون عليك إنجاب طفل واحد فما بالك ثلاثة أو أربعة أطفال، وحتى إن كانت قدرتك المادية جيدة ستواجه المشاكل التي ذكرناها، ستواجه الواقع المؤلم، لكن هذا لا يمنع من الإنجاب من باب آخر، لكن يجب أن يكون الأمر مدروسًا ومتفقًا عليه، فمن الواجب أن تجلس أنت وزوجتك على الطاولة وتحددا مصير ذلك الطفل، مصير سنوات، لا أحد يعلم الغيب، لكن سيرك في طريق مدروس جيدًا أفضل من سيرك في طريق لا تعرف ما فيه، وتوجد أمثلة في المجتمع ونماذج كثيرة، وبالتالي فأنت لا تدري ماذا سيحدث غدًا، لكن واجب عليكم كآباء واعدين أن تدركوا أن إنجاب مولود ليس سهلًا، وليس مسألة فراش فقط، هي مسألة عمر، مسؤولية كبيرة من جميع الجوانب، هل أعددتم لهذا المولود وسطًا صحيًّا؟ هل حدثتم نفسكم عن مسؤولياتكم تجاهه؟

إن لم يكن المرء يمتلك قدرًا كافيًا من الوعي، وقدرًا ماديًّا كافيًا أيضًا، كافيًا لتكوين هذا المولود إلى أن يصل للمستوى المنشود، سيعاني كثيرًا، ويعاني من حوله أيضًا، فالآباء لا يهمهم سوى رؤية أبنائهم في أفضل حال، لكن إن لم يكن لديك قدر من الوعي والمال وأنجبت أربعة أبناء أو خمسة، كيف سينتهي بكم ذلك؟ ألن يجلس ذلك الابن من الخمسة أبناء ذات يوم ويسألكم؟ والقول القائل إن الأولاد يأتون برزقهم، ذلك مجرد وهم أو تبرير لفشل ذريع، إن العديد من العائلات الصغيرة المتكونة من خمسة أبناء تعاني الآن من الدخل المادي، تعاني من السكن، تعاني من الجوانب التي ذكرناها سلفًا، وقلنا إنه واجب قبل الإنجاب التحدث عنها، نعم لا مشكلة في أن يجلس الزوجان ويتحدثا في الأمر، عن دخلهم، عن سكنهم، عن أشياء ستمهد طريق ذلك المولود، ومنها مسؤولية من سيعلمه ويقوم بتوعيته ورعايته في محطات من محطات الحياة، فأنت كالملك الذي يعرف أن فترة حكمه ستنتهي في يوم من الأيام، وسيستلم ابنه ولي العرش الحكم بعده، وما عليه سوى تدريبه وتعليمه جميع الأشياء من أجل مستقبله ومستقبل ما يحكمه، هكذا الأمر، إنجابك لطفل لا يتوقف هناك فقط، بل هو خليفتك، وبالتالي عليك واجبات كثيرة، حمايته، رعايته، توعيته وإبعاده عن الأخطار، تثقيفه وتدريسه، تكوينه تكوينًا منفتحًا مبدأه العقل.

التكوين العقلاني للطفل مع مراعاة سنه أمر مهم، التربية والتكوين العقلانيان أمران أساسيان لا بد منهما، وإن كان للوالدين ابن واحد ليس كمن لديهم خمسة أبناء، هنالك فرق، وبالتالي سيكون وضعهم سهلًا وسيتغلبون على كل الأمور التي ذكرناها، سيحدث ذلك فارقًا.

والسبب في معاناة الكثير من الناس في الوقت الحالي، هو الأبناء، الأب دخله ضعيف، غير متعلم، أو متعلم وغير واعٍ، الأم ربة بيت، غير متعلمة في غالب الأحيان، لديها نسبة من الوعي أو لا، فبالتالي النتيجة ستكون خمسة أو ستة أبناء، وبعده سيعانون من القدرة الضعيفة، لن يقدروا على تلبية حاجات الأبناء جميعًا، سيكون هنالك نقص، وما سيخلفه ذلك النقص خطير، خطير لأبعد الحدود. إنه إنسان يشعر ولم يتلق التعليم الكافي من أبويه ومن مؤسسات الدولة الضعيفة، وبالتالي سيكون خروجه عن الطريق مستدرجًا، أو سيلقي بنفسه من سطح مبنى ذات يوم، أو سيدمن المخدرات، والمخدرات تحتاج المال، وستكون الطريقة الوحيدة لحصوله عليه خطيرة وستزج به في السجن في آخر المطاف، وهنا تحدثنا عن صورة فردية ناهيك عن الأبناء الآخرين، كما لا يمكنهم أن يكونوا جميعًا فاسدين مع أنفسهم أولًا، ثم وطنهم بوجه عام ثانيًا، لا يمكنهم أن يكونوا صالحين جميعًا أيضًا.

لكن النسبة الكبيرة تصب في المصلحة الخطيرة، وهذا منبعه الآباء وغياب التوعية، كيف لآباء نشأوا دون توعية وتعليم جيد وواقع جيد ومجتمع سليم أن يصلحوا ما فسد، أو يتجنبوا الوقوع في الأمر نفسه، الأمر يعاد كفيلم، عانى في حياته وسينجب أبناء يعانون هم أيضًا عمرًا مديدًا في الواقع نفسه، في الحقيقة الغريزة هي المتحكمة في أغلب الناس، أنت لا تستطيع أن تكبح أو تنبذ شيئًا ولد معك، لكن اعلم جيدًا أنك تمتلك أسمى شيء، العقل، وبالتالي تستطيع التحكم في غريزتك، لكل شيء وقت، أنت مارسها بحرية، لكن لا تجعل منها خطيئة مطلقة، كن واعيًا قبل الإنجاب بالوجود، فلا فرق بين حيوان وإنسان تقوده غرائزه.

خلاصة القول إن لم تكن قادرًا ماديًّا، فكريًّا، جسديًّا على الإنجاب، لا تنجب، وإن أنجبت ابنًا واحدًا ستتغلب عليه أكثر من إنجابك لخمسة وتغلبهم عليك في الأخير، أما الوضع الراهن في مجتمعاتنا العربية لا يسمح حتى بذلك المولود الواحد فما بالك خمسة أو ستة، انتحار جماعي، وانعدام للفائدة، نعم كل شخص يحلم أو يرغب بأن يكون له أبناء يحملون اسمه، أبناء يعيش معهم الدفء والحنان، لكن صراحة، المشاعر وحدها غير كافية، أمام ذلك المولود سكة طويلة، وإن لم يكن مستعدًّا لها جيدًا لن يصل، وسينقلب في الطريق كقطار غير مهيكل، ومن بالتالي المسؤول، أنتما كأبوين لم تحسنا اختيار الوقت المناسب، لن يبقى ذلك المولود صغيرًا إلى الأبد، سعيدان بوزنه وحركاته العفوية وكلماته المتقاطعة، سيكبر وسيواجه مصيره الشامل لكل ما ذكرناه، إنه قرار اتخذتماه في حالة من الضعف والنشوة البائسة التي ستجعل من ذلك المولود شخصًا يعاني حياته بأكملها متسائلًا، متسائلًا عن سبب وجوده؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد