تتنوع الأسباب والعوامل المسؤولة عن الاضرابات والأمراض النفسية لدى الإنسان، إلا أن التعرض للصدمات والأزمات النفسية في مرحلة الطفولة قد يكون أكثر حدة على نفسية وسلوك الإنسان، مما يترك آثارًا سلبية بارزة عليها طوال طفولته ولن يتركه بعدها، بل يظل يلحقه كظله طوال حياته أيضًا، حيث يجده في معظم ذكرياته ويجد نفسه يحاربه في أحلامه.

وكما جاء على لسان الطبيب والمحلل النفسي سيغموند فرويد: «تنبت العقد من صدمة عاطفية ثم ينسى الإنسان سبب الصدمة، ولكن العقدة تظل حية في نفسه».

ففي مرحلة الطفولة لا يحتاج الطفل فقط للتغذية الجيدة، الوقاية والتحفيز من أجل النمو الدماغي والبدني السليم، بل هو في أمس الحاجة للإحساس بالأمان داخل وسط أسري متكامل، مستعد وقادر ماديا ومعنويا على تلبية حاجياته ورغباته المادية والنفسية، إحساسه بالحب والسلام الداخلي، وإبعاده بشتى الطرق عن كل ما يمكن أن يعرضه لأي صدمة أو أزمة نفسية، أو يمكن أن يؤثر سلبًا على نفسيته ويعزز إحساسه بعدم الأمان والوحدة الداخلية. فإنجابك يا عزيزي القارئ ويا عزيزتي لطفل ضعيف لا ذنب له في هذا العالم وأنت غير مستعد وغير مستعدة لا ماديا، ولا معنويا ولست قادرا على تحمل مسؤولياتك تجاهه يعد خطيئة وجرما في حقه. فما ذنب ذلك الطفل الضعيف أن يعيش حاملا على ضهره وطوال حياته ألما نفسيا حادا ووحدة داخلية أبدية؟

وقد تم تجاهل نمو الطفل الذي يحدث مند الولادة إلى البلوغ بما فيه الكفاية في معظم تاريخ البشرية، حيث كان ينظر للأطفال في أغلب الأحيان على أنهم مجرد إصدارات صغيرة من الكبار، وكل ذلك الاهتمام رغم قلته فهو لم يعط سوى للتقدم في القدرات المعرفية، استخدام اللغة والنمو البدني الذي يحدث أثناء الطفولة والمراهقة. إلا أنه في أوائل العشرينات ولحسن حظنا بدأ الاهتمام بمجال تنمية الطفل، ورغم أنه كان يميل للتزكير على الجانب غير الطبيعي، إلا أن ذلك ما ساهم في الاهتمام أكثر بالمواضيع الأخرى بما في ذلك نمو الطفل النمودجي بالإضافة إلى التأثيرات على التنمية.

وعلى سبيل ذلك، فقد ظهرت العديد من النظريات منها ما عرفت بالنظريات الصغرى لتركيزها فقط على جانب محدود من التطور لدى الطفل، كالنمو المعرفي أو الاجتماعي. وإلى جانب هذه النظريات، نظريات رئيسية عرفت بالنظريات الكبرى والتي حاولت وصف كل جانب من جوانب التنمية، وغالبا ما استخدمت نهج المرحلة مع تحديد الفترة العمرية أثناء كل مرحلة من هذه المراحل. وعلى رأس هذه النظريات الأكثر جرأة خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرينات، والأكثر جدلا حتى الآن، نظرية فرويد النفسية الجنسية، حيث اعتبر المحلل النفسي فرويد أن نمو الطفل من مرحلة لأخرى يرتكز على مناطق المتعة الجنسية المختلفة في الجسم، وأن تنقله من مرحلة إلى التي تليها يتم عبر تغيير منطقة المتعة الجنسية تلك إلى منطقة أخرى. وفي حين إن لم يتم حل بعض المشاكل في المرحلة المناسبة تظهر التثبيتات؛ أي التركيز الدائم على المرحلة النفسية السابقة، والذي غالبا ما يكون سببه الإشباع المسرف، أما إن لم يتم حل المشكل فسيظل الفرد عالقًا في تلك المرحلة مما يجعله غير قادر عن التخلي عن هذا المستوى الذي كان ينعم فيه بالإشباع والمتعة.

واعتمد فرويد أيضا على تسمية كل مرحلة حسب العضو المثير للمتعة لذا الطفل، وتصنف هذه المراحل حسب ما يلي: المرحلة الفمية: وتغطي السنة الأولى من عمر الطفل الرضيع ويتم الإشباع في هذه المرحلة عن طريق اللسان والفم، كما يعتبر سلوك الرضاعة هو مصدر الرئيسي للذة. المرحلة الشرجية: وتحدد خلال العامين التاني والثالث، حيث يصبح الشرج هو منطقة اللذة الجنسية ويزداد وعي الطفل باللذة الناجمة عن حركة الأمعاء على الأغشية المخاطية للمنطقة الشرجية. المرحلة القضيبية: تغطي هذه المرحلة الفترة بين ثلاث إلى ست سنوات من عمر الطفل، حيث يحصل الأطفال في هذه الفترة على اللذة الجنسية من خلال إثارة الأعضاء التناسلية. وتأتي بعد هذه المراحل مرحلة الكمون: وتحدد ما بين السنة السادسة وسن البلوغ، وفي هذه المرحلة تهدأ الأزمة القضيبية وتتراجع المشاغل والاهتمامات الجنسية للفرد. ثم المرحلة التناسلية: ويرى فرويد أن هذه المرحلة تغطي فترة المراهقة، فحسب فرويد ابتداء من مرحلة البلوغ تصبح المهمة الأساسية للفرد هو أن يحرر نفسه من أبويه.

كما أكدت نظرية التحليل النفسي لفرويد على أن للتجارب المبكرة ودوافع اللاوعي دورا هاما في تنمية الشخصية، حيث يتم إقصاؤها من الوعي الشعوري إلى العقل اللاشعوري، ولا يزول تأثيرها حينها بل تستمر في التأثير على سلوك الفرد لاحقًا، مما يؤدي إلى حدوث القلق والصراع النفسي.

وما نظرية فرويد إلا جزء من النظريات الأخرى، فرغم كل الجدل والنقد العلمي والنسوي الذي أثارته، إلا أنها قد ساهمت ولو بقليل على تغيير نظرة الإنسان للطفل ولمرحلة الطفولة، وعززت من أهمية الاكتراث بحياته النفسية كاكتراثنا بالجوانب المادية والبدنية الأخرى.

فهل تعتقد يا عزيزي أنك قادر على إنجاب كائن ضعيف لا قدرة ولا ذنب له، وتلبية رغباته وحاجياته النفسية والمالية وأنت غير قادر أساسا لا على فهم نفسك ولا حل مشاكلك المادية والنفسية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الطفولة, فرويد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد