اليومَ أتمَّتْ عشرين شهرًا ميلاديًا فوق أرض هذا البيت، زادت تسعةً داخلي، وما زالت تثير بي وبأبيها ذلك القدر المتنامي من الحب والشوق والرحمة والرغبة في غد لا تشوبه شائبة. ما زالت تدهشنا كل يوم بجديدها. وتصر بأبجديتها الطريفة على لفت انتباهي كل دقيقة بقولها «ماما، بُثّي»، أو «ماما، تاعديني» لأوقن أننا لم نكن لنحصل أبدًا على نسخة متقنة لشخصٍ يقلدنا هكذا كمثل ذلك الكائن المعجز، الذي لا يفتأ يطلب المساعدة كأخته وأمه مِن حوله دقَّ الأمرُ أم عظُمَ.

عالم الأطفال مثير عجيبٌ طريفٌ. عالم تحكمه قواعد خاصة، ومنطقٌ لا يتداعى، وبراءة وسذاجة محبوبتان، لا يلوثه إلا كل آثمٍ جاهلٍ فاسد مفسد. رأيت يومًا رجلًا بسيطًا يفترش الأرض بأسرته في محطة القطار، لم أشعر نحوه بشيء إلى أن بدأ يصفع وجنات صغيرتيه لغير جُرمٍ اقترفتاه! تُرى هل يحبهما؟ هل يؤثر الصبيَّ الأصغر عليهما فلا يناله مما ينال أختيه إلا النزرُ اليسير؟ والأهم؛ هل تحبانه على ما ينالهما منه من أذى؟ هل لو أخذت منهما أباهما واستبدلت به رجلًا أرحم، أكانتا تفضّلان ذلك؟ أي جاهلية ترعى في قلوب البشر فلا يرون تفضيلًا إلا للذكَر في حين لا يحملهم في الكبِر والضعْف والعجز إلا الإناث؟ بل أي جاهليةٍ تنبت في قلوب الآباء حُبًّا مشوهًا مقرونًا بالإهانة والسبّ والتحقير؟

وددتُ لو أركز في صلاتي، إلا أن حديثهما بجواري يجعلني أسترق السمع لأفهم منطقها في الحديث. كيف تفكر ابنتي بأعوامها الخمسة، وكيف تقنع أختها ذات الأشهر العشرين بما تريد؟ كيف يدور حوارٌ أرى فيه نفسي وما ألفظ من قولٍ، وكيف تُبسَط أفكارٌ من عالم الصغار لا يخطر لنا نحن الكبار منها شيءٌ على بال. إنها تستخدم ألفاظي نفسها ذاتها، لكن بمنطقها هي في الفكر والنظر. تقول نفس ما أقول، وتأمر بما أأمر به، وتنهى عما أنهى عنه، في ممارسةٍ منها لدور الأخت الكبرى والمعلمة والأم ببراعة تُعجبك منها. ولا غرو أن أتساءل إذا كنتِ بهذه البراعة في حفظ القواعد يا صغيرتي فلمَ يعجزكِ تنفيذها بالبساطة ذاتها؟!

تسألني في الصباح أي يوم نحن؟ وأجيبها هو الجمعة، وأطلب منها إيقاظ أبيها ليصلي الجمعة، فتبادرني بسؤالها المدهش عن الأمس: «هل صلَّى أبي الخميس أمس؟»! فإذا كان للجمعة صلاة، فللخميس صلاة أيضًا!

هذه الصغيرة الفاتنة ذات الأعوام الخمسة لا تعي كثيرًا من حقائق الكون، لكنها تسألني بين الفينة والأخرى أسئلة كونية كبرى. تسألني عن الله والأنبياء، والجنة والنار، والموت والحياة، وطريقة عمل الأشياء، ومآلات الأمور. تسألني أن أعلّمها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وأن تكتب معي وتستذكر دروسي بل وتحضر اختباراتي! أي صديقة خير من هذه أرجوها طوال عمري؟

طفلتي؛ يسرُّني معجمكِ الثري الذي يشي ببيتنا المكتظ بالكتب والعامر بالحب، معجمك الذي يحمل وراءه أمًّا لغوية شاعرة مترجمة، وأبًا مهندسًا درعميًا مُحاضِرًا، وذهنًا متفتّحًا ثاقبًا لاقطًا، وفوق كل ذلك فطرة نقية طيبة بذر الله بها بذور التعلّم والاكتشاف والنمو والتطور. أنا مدينةٌ لكِ ولأختكِ بقدر ما تدينان لي. وحين غبتُ عنكما ثلاث ساعات يومًا لأخوض اختبارًا ما، أوجع فؤادي غيابُ كل أم عن ولدها، وأنتما تستقبلانني بلهفة وشوق، وتبادران إلى إعلان الرغبة في تناول الطعام واللعب والنوم.

أنا أحب ابنتيَّ. أحبهما حبًّا لا أروم معه تقييدًا لحريتهما في الاختيار، ولا تشكيلًا لقوالب بعينها ترضيني أو ترضي الجميع من حولي ولا ترضي الله. أحبهما حبًّا يهون معه النصب والوصب، وتنال به غاية الطلب، وأرجو به رحمةً يوم لا يكون بين المرء وبنيه إلا الفرار والهرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد