تأتي الأقدار بلا اختيار مننا، فتجد المريض حائر بمرضه ولا أحد يلتفت، وتجد المسكين حائر بعجزه ولا أحد يلتفت، وتجد الحزين تائه بكآبته ولا أحد يلتفت. أن يلتفت لك شخص تعني أن ينظر إليك بقلبه وعقله بنية المساعدة، إنه عمل صناع الحياة في كل مكان. لكن قد تجد من يشفق، من يتعاطف تعاطف من قلب بور، والقلب البور هو القلب الذي لا ينبت خير.. فتجد الأمر يشبه نمو السرطان، لكنه سرطان المشاعر فالمعاني. إن القلب الملتفت للخير والنور يستطيع أن ينبت عملًا طيبًا متقبلًا عند الله.

بالنظر لمعنى الرحمة فهي صلة ودودة منبتة للخير، فهل كل متعاطف رحميم؟ وقد قال رسولنا الكريم لمن لا يقبل أولاده من لا يرحم لا يُرحم. ربما نحتاج لتطبيق المعاني المضيئة حتى نخرج من الشتات، إلى الالتفات المضيء بالعمل الطيب. التفات متصل بروح الله، التفات قلب متفكر متأمل، وعقل يدبر خيرًا.

إن الاعتبار تدبر تنظر للأشياء بعين الروح، فتجد الحكمة والبصيرة التي يختصك الله بها ولن يراها أحد بدلًا عنك، إنها فقط لقلب واحد هو قلبك لأنك لا تحتاج لواسطة بينك وبين الله.. قال الله سبحانه الملك القدوس «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ».

إن العبرة تُرى بعين الحكمة، والحكمة ذكاء القلب، أو كما قال قدماء المصريين الحدس ذكاء القلب، فالأمر يتعلق بإحساس المرء تجاه الحياة بكل كينونتها. يقول جل جلاله: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا»، وقال الحق القدوس: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا». فبين الأولى والثانية عبرة لأُولي الألباب، فالعبرة قرينة العبور، ربما لكونها آية تضيء بقلب المؤمن عابرة سريعة، أو لأن الإنسان في هذه الحياة عابر سبيل، وإن الطفولة أعظم آية.

وإن تدبر الآيات لأعظم العبادات، بل هو الإحسان والصدق الحقيقي عندما ينمو القرآن بالقلب، فيُنبت مؤمنًا متخلق بصفات الله. علموا أولادكم القرآن لتنمو فطرتهم، وتعلموا منهم ما فاتكم منها. إن الفطرة تدعوا للتواضع والتواضع يدعوا للجنة، فلا يؤمن من كان بقلبه مثقال ذرة من كبر، إذًا التواضع دليل الإيمان، والإيمان نور العلم.. علم ينفع ولا يضر.. يصف الله تعالى الكاذبين بأنهم يفسدون الحرث والنسل فيقول العزيز الحكيم «إِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ»، فالحرث هو ما ينبت بالعلم والعمل الصالح، والنسل هو استمرار الإنسان الكريم المكرم على نقاء صنعة الله فيه. الصدق باب التدبر، والتأمل، والتصدق، حتى إذا قامت الساعة وفي يد أحد الصادقين الصالحين المصلحين فسيلة غرسها.

علموهم الشعر وتعلموا معهم ومنهم عندما يخفق القلب ببيت شعر عربي.. فإن باب للإلهام يفتح، وكما قال العقاد في وصف الشعر والشعراء:
والشعر من نفس الرحمن مقتبس … والشاعر الفذ بين الناس رحمن

إن من البيان حياة، وإن الشاعر أمة تتحدث، وإن المتدبر في هذا البيت، يفهم أن رسالة اللغة والأدب عظيمة قوية جليلة.. لها جذور الماضي تصل منها للحكمة والوجدان، إنه اتصال سرمدي منذ تعلم آدم الأسماء كلها، ومنذ رفض الشيطان أن يسجد لآدم. ويرى البعض أن «الشعر صورة من الحياة ونسل مبارك من رحمها وفي الحياة أطياف ومشاعر وطرائق قدد يتسع لها الشعر جميعًا بما فيها الفكر وثمار العقل وهذه هي أهمية العقاد كشاعر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد