في الوقت الذي تعتبر فيه برامج مسابقات الأطفال عندنا مجرد فعاليات للتسلية والترفيه، والقول بأن الجمهور الفتي قد أخذ حظه من مساحة البرامج التلفزيونية، وتظهر فيها، بشكل لا تخطئه العين الناقدة، ممارسات وأساليب تنشيط وتفاعل مع الأطفال أقل ما يقال عنها أنها فاقدة للرشد التربوي، تظهر بالمقابل لدى الطرف الآخر باعتبارها فرصًا لاكتشاف الذات وإطلاق الملكات وحفز الإبداع والتفاعل الإيجابي مع اهتمامات ومشاريع ومحاولات الصغار؛ وهذه عينة من المشاهد والمواقف التي يمكن من خلالها تلمس الفروق في التعامل التربوي مع الصغار، من واقع هذه البرامج التي تعرض على القنوات العربية والأجنبية، وما يمكن تسجيله من ملاحظ عليها:

1)- عند بداية برنامج الأطفال، وفي حين يُسأل الطفل في برامج مسابقات الأطفال المعروضة على القنوات الأجنبية، في إطار مقدمة تعارفية، وبأسلوب فيه إشعار بالتقدير والاحترام، عن اهتماماته وميوله ومشاريعه الصغيرة، وعن أكثر شيء مثير قام به في حياته – على حداثة سنه – أو خلال عطلته المدرسية، وتسمع كلمات التشجيع و”الواو”، مع الإصغاء بكثير من الاهتمام لحديثه، وإطلاق بعض الطرف اللطيفة لبعث جو من الارتياح لأضواء الكاميرا في نفوس المشاركين الصغار؛

في مقابل ذلك، يُسأل الطفل في برامجنا، بنبرة تكاد تخلو من الحماسة والإثارة والتفاعل الحقيقي مع ما يريد قوله والتعبير عنه، كأن الأمر مجرد طقس تقديمي شكلي، أسئلة من قبيل: ما مستواه الدراسي ومع من جاء من أهل بيته لحضور المسابقة، وأحيانا ماذا يريد أن يصير عندما يكبر! وعندما يكون الطموح كبيرا، كإبداء الطفل طموحه في أن يصير “رائد فضاء”، ترى ملامح التعجب والاستخفاف ترتسم على وجوه الحاضرين!

وواضح جدا هنا الفرق بين الأسئلة التي تمس الشخصية بشكل مباشر، وتسلط الضوء على الإمكانات والقدرات والمواهب وتشجعها، وربما تحاول استثارة الكامن منها، وتقوم بتركيز الوعي على منابع تحقيق الذات ومواقع التميز الحقيقي في الحياة، والأسلوب الذي ينمي الشعور بتقدير الذات لدى الطفل والاعتزاز بما يملكه، وبين أسئلة لا تفعل شيئًا سوى أنها ترسخ انطباعات خاطئة عن هذه الأشياء وتلك، حين تسأل فقط عما سيكون وليس عما هو كائن فعلا لتحقيقه، أو عما كان من أجل استثماره، أو حين تسأل عما يكرس الارتباط بالآخر ويضعف الشعور بالاستقلالية، وغيرها من الأسئلة الهامشية التي تعكس الفهم القاصر لمعنى السؤال التربوي!

2)- في بداية المسابقة وعند كل تحدٍّ جديد، يُسأل الطفل هناك، ولو بشكل سريع، عن رأيه المبدئي في المسابقة، وما يتوقعه من تحدٍ فيها، هل تتناسب مع هواياته واهتماماته، كيف سيتصرف وكيف سيتعاون مع زميله أو زملائه، ثم يُسأل بعد انتهاء المسابقة عن النتيجة وكيف وجد المحاولة، لماذا أخفق في نظره أو لماذا نجح. أما عندنا فيدخل الطفل المسابقة بدون مقدمات تذكر، ويبدو حديث منشط البرنامج مركزا على المسابقة وعلى قواعدها وشروطها وليس على المتسابق ورأيه واستعداداته وتوقعاته، ويجعل ذلك الطفل يبدو مندفعا غير مستعد حتى لسماع قواعد اللعبة، وكأن الهدف من كل هذا هو الفوز أو الخسارة لا أكثر!

هنا أيضا، جلي للمتأمل أن الأسلوب الأول يشجع على التفكير الناقد، وتقييم التحديات العارضة بمقابل الإمكانات المتوفرة، ويرفع سوية الوعي بالذات لدى الطفل، ويساعده على بلورة رؤية خاصة به للأمور، كما يدربه على مهارات أخرى كالتنبؤ والتخطيط والتواصل والتعبير الحر عن الذات، مع ما ينميه كل ذلك فيه من شعور بالاستقلالية والمبادرة. أما الأسلوب الثاني فيرسخ مفاهيم خاطئة عن التعامل مع الفرص الجديدة والتحديات الطارئة، وينمي شعور الخوف من مواجهة الذات وتقييمها وانتقادها، ويجعل التركيز مسلطا على هوامش الأمور بدل جوهرها، ومن هنا ومن أمثالها من المواقف تبدأ المفاهيم الخاطئة في التشكل!

3)- في برامج مسابقات الأطفال الأجنبية، تلاحظ كيف يُشجع الطفل طوال المسابقة ويوجه بأسلوب لين ولطيف، لأن المهم هو اللاعب وليس اللعبة، حتى وإن كانت أخطاؤه كبيرة واللعبة أسهل من أن يرتكب فيها مثل تلك الأخطاء، فيدفعه ذلك إلى الاستمرار في المحاولة حتى انتهاء الوقت المحدد، وربما ينجح في الأخير. في برامجنا قد يشجع الطفل في البداية ثم سرعان ما يتحول التشجيع إلى نوع من اللوم على قلة المهارة والعتاب على تضييع فرصة الفوز، بـأسلوب محبط، كثيرًا ما يفتقد إلى اللباقة والمراعاة، باعتبار الكلام موجهًا إلى صغير، ويصدر هذا على السواء من مقدم البرنامج، ومن زميل المتسابق أو زملائه في الفريق الساخطين على مستواه في الأداء!

إن الحياة تغص بمثل هذه الإحباطات والإخفاقات والخسارات، وهؤلاء النشء لا يزالون في بداية طريقهم فيها، ومثل هذه المواقف لا بد معترضتهم، وبينما يظهر أن الأسلوب الأول يقف من هذا، حتى وإن تعلق الأمر بمجرد مسابقة أطفال؛ الموقفَ الصحيح الذي يوجه الجمهور الصغير إلى ما ينبغي تمثُلُه من مفاهيم وقيم أمام إخفاقات الحياة المحتملة، وأن ما ينبغي أن يدان عند الوقوع في الخطأ هو الخطأ نفسه وليس الشخصية، وينمي فيهم روح التحدي والاستمرار في المحاولة وعدم الاستسلام للفشل، فإن أسلوب أصحابنا يفعل عكس ذلك تمامًا؛ حيث يزرع بذور اليأس من المحاولة في نفوس هؤلاء الصغار، والتي منها نبتت جذور اليأس المنغرسة في نفوس إخوانهم من الشباب العربي اليوم، ويصور لهم الخسارة ورطة لا مخرج منها، والفشل جرحًا لا أمل من الشفاء منه!

– كما تلاحظ وربما تعجب حين ترى الفريق الخاسر، في الكوكب الآخر، متقبلا للخسارة، لا يبدو عليه كثير من الحزن والأسف لذلك. والسبب ببساطة، وكما تسمع الأطفال يعبرون لمقدم البرنامج عن ذلك، لأنه استمتع بالمسابقة وقضى وقتًا ممتعًا ومفيدًا وشارك الآخرين اهتماماته وأفكاره ومشاريعه، ولقي الكثير من التشجيع على ذلك والتنويه بأن قدراته قابلة للإنماء والتطوير، يعني خرج رابحًا بوجه من الوجوه. في مسابقاتنا يخرج الطفل من المسابقة ومسحة الحزن بادية على محياه وربما ينتابه شعور بالإحباط وبأنه فاشل، لأنه يعرف أنه سيلقى من أصحابه الآخرين، في المدرسة، وحتى من الأهل في البيت أحيانا، انتقاصًا من شأنه وتهويل حجم خسارته، وبأن عليه في المرة القادمة أن يقلل من حماسه الزائد ويعمل أكثر ليكون في مستوى أقرانه!

4)- وفي الأخير، ستتعجب أكثر عندما ترى بأن الفريق الفائز هناك، أقول الفريق الفائز، جائزته تكون، من باب المزاح ولغاية أخرى، ما يشبه عقوبة صغيرة، كأن يصب الماء الملون أو خليط العجين فوق رأسه، وما ذلك، فيما أراه، إلا بهدف منع تولد الإحساس بالعجب والفخر على الفريق الخاسر في نفوس الأطفال، ومنع تولد الشعور بالامتلاء الكاذب في دواخلهم، فالمسابقة ليست في النهاية سوى فرصة للاستمتاع وللتعلم، ولا يمكن لشيء واحد كهذا أن يعكس نجاح الشخصية أو فشلها، فالنجاح تحكمه معطيات كثيرة، مثل تلك التي سئلوا عنها في بداية المسابقة، ففي مثل ذلك ينبغي أن يتنافس المتنافسون، وسيحتاجون إلى المزيد من الاشتغال على ذواتهم. أما في كوكبنا، فإن الفريق الفائز يربح جهاز كومبيوتر لوحي متطورًا، بينما الفريق الخاسر يطيب خاطره في أفضل الأحوال بنسخة من مجلة عن شعوب العالم أو مجلة عن الحيوانات الأليفة! وفي هذا تكريس أكبر للفشل في نفس الطفل ونظرته الخاطئة له.

في النهاية، المَلاحظ التي نؤاخذ عليها في هذا كثيرة، لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وما مثال برامج مسابقات الأطفال هذا إلا نموذج يعكس العيوب التي تعاني منها الثقافة التربوية السائدة في مجتمعاتنا، وما يترتب عنها من عواقب سيئة على الأجيال، وإن من المهم جدا أن يدرك المربون عندنا أن أساليبهم وممارساتهم التربوية تترك بصمات قوية على الاتجاهات الفكرية والشعورية لدى من يربونهم، فيجعلوا كل ممارساتهم وأساليبهم وسلوكياتنا التربوية تحت أضواء الوعي، فلكل فعل أثر ولكل مقدمة نتيجة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد