لا تقتصر خطورة تنظيم داعش على التخريب والدمار الذي يمارسه في المدن المحتلة فحسب، ولا على تدمير النسيج الاجتماعي من خلال القتل والتهجير والطائفية، لكنه يهدف، مثل كل التنظيمات المتشددة الراديكالية إلى إنشاء جيل جديد منقطع عن جذروه الوطنية وهويته المحلية إلى فضاء الجهاد العالمي، هذا الجيل الذي كان يحلم به سيد قطب لأجل إعادة بعث الإسلام بين الأمة التي عانت من النظم والأفكار والقوانين والعادات والسلوكيات الجاهلية، فإن بعث الجيل الفريد على منوال جيل الصحابة الأوائل، يحتاج إلى صناعة تتمثل في فترة حضانة وتكوين يتجرد فيها من مؤثرات الجاهلية، يرجع فيها إلى النبع الخالص، النبع الذي لم تلوثه شائبة وهو القرآن الكريم، والتخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية، وصولًا لتغيير الواقع الجاهلي من أساسه في نفس الفرد والمجتمع بفعل انقلاب تقوده الطليعة التي يمثلها هذا الجيل.

استوحى تنظيم القاعدة من فكرة نشوء الجيش الانكشاري العثماني، في أيام توسع بني عثمان نحو أوروبا، حيث تأسس هذا الجيش العقائدي من خلال خطف أطفال الكفار المسيحيين، كما يشير الدكتور علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ومن ثم تجنيد الأطفال في مدارس خاصة بهم، وإعطائهم دروسًا عقائدية، فتكون الدولة العثمانية أمهم والجيش بيتهم والخليفة العثماني أباهم.

لذلك عملت القاعدة، وبنصيحة من المصري أبي أيوب المهاجر، منذ أول أيام نشاطها على تجنيد الأطفال والمراهقين، لعدة أسباب منها أن الطفل يؤمن بطريقة التلقين بسهولة، ويقتنع بسرعة، ويفكر بطريقة حدية.

كما أن فترة المراهقة بعنفوانها يحاول فيها كل مراهق أن يثبت وجوده للمجتمع عن طريق التحدي والتمرد على كل من أو ما يتعامل معه على أنه طفل، وفي الأغلب يعشق الفكر المتشدد ويخيف من خلاله المحيطين به. ويعتبر تنظيم فتيان الجنة أول محاولة علنية من تنظيم القاعدة ومن ثم تنظيم دولة العراق الإسلامية في عهد أبي عمر البغدادي هو أول إعلان رسمي وموثق من هذا التنظيم في تجنيد الأطفال. وكان يتم تجنيد الأطفال والمراهقين في المناطق الساخنة، ويختارون المراهقين من عمر 11-16 ويكلفون بمهام انتحارية أو شبه انتحارية تستهدف دوريات الأجهزة الأمنية والصحوات والسياسيين وحتى الأسواق العامة. وكان أيوب أحمد علي الحشماوي المكني “أبو آمنة وأبو عامر” مسؤول تنظيم فتيان الجنة وبعد اعتقاله في عام 2008، أدلى بمعلومات تشير إلى أن تنظيم فتيان الجنة يحظى بدعم خاص وإشراف مباشر من أبي عمر البغدادي وأن تمويله يفوق تمويل بقية تشكيلات القاعدة.

وفي أعوام 2006 وصاعدًا، انتشرت مقاطع فيديو لصبية ينتمون له يتدربون في ساحات مساجد في ديالي والأنبار وحزام بغداد وأطراف صلاح الدين والموصل والحويجة قبل أن تسيطر الدولة العراقية على هذه المناطق لاحقًا، فعمد التنظيم إلى زجهم في عمليات انتحارية. بعد ظهور تنظيم داعش تنامى تجنيد الأطفال في المناطق المحتلة وتم خلق بيئة ملائمة لإنشاء جيل متوحش تربى على التكفير والقتل، هذا البرنامج ينقسم إلى جزأين، الأول ويشمل البرنامج العقائدي: ويتم فيه غسل مخ الطفل بشكل كامل من أجل توجيهه لهدف سامٍ حسبما يتم تلقينه، ويساعد في عملية غسل المخ كثيرًا حين يكون أحد الأطفال قد قتل أخ له أو أب خلال التركيز المكثف عليه وتحويل الحياة كلها إلى عملية انتقام لا أكثر. ويتم فيه غرس مبادئ السلفية التكفيرية وأفكار الولاء والبراء السلفية ونواقض الإسلام وأركان التوحيد وأحكام تكفير المعين وغير المعين وحاكمية الشريعة وتكفير المجتمعات والجيل الأول.

حيث يخضع الطفل لبرنامج متكامل محكم ومكثّف من أجل تحقيق تغيير شبه جذري في نفسية وتفكير الطفل لخلق شخصية جديدة تختلف جذريًا عن بيئته الأم ومنقطعة عن كل صلة تربطه بالأهل والوطن والعشيرة يكون فيها خليفة داعش والده وجماعة التنظيم أهله وعشيرته. الثاني برنامج تدريب بدني قاسٍ يتضمن تدريبات رياضية على فنون القتال وطرق التحمل والمداهمات والمناورات والتدريب العسكري الشاق وحرب العصابات وطرق التفخيخ والتسلل والذبح والتمثيل بالجثث لقتل أية بادرة رحمة في نفس الطفل وتحويله إلى مسخ متوحش. حسب المعلومات المتوفرة فقد استطاع تنظيم داعش إقامة معسكرات للتدريب في كل من الرقة والموصل والقائم، كما قام بإرسال أعداد أخرى إلى ليبيا نظرًا لوجود معسكرات تدريب لا رقابة عليها وخارج نطاق القصف سواء العراقي أو السوري أو قصف التحالف الدولي، تم تهريب هؤلاء الصبيان عن طريق المطارات التركية وعبر المعابر الحدودية مع تركيا التي تسيطر عليها داعش.

معظم الفتيان الذين يتدربون في معسكرات داعش هم من أبناء المناطق المحتلة، وينقسمون كالتالي:

1- أطفال العوائل الايزيدية والشبكية والتركمانية الذين تم قسر أهلهم على الإسلام السني بالنسخة الداعشية، أو من قبل الدخول في الإسلام السلفي بعد قتل أهله.

2- أطفال العوائل التي كان لديها أبناء في الأجهزة الأمنية والصحوات وعوائل الصوفية والإخوان المسلمين كنوع من التكفير عن ذنوبهم وضمان استمرار ولائهم ولتحقيق اختراق في داخل تلك العوائل في حال قرروا التعاون مع الحكومة.

3- أطفال المتعاطفين مع التنظيم أو المنتمين له ممن يؤمنون بداعش فكرًا ومنهاجًا وسلوكًا.

4- الأطفال الذين فقدوا أسرهم بسبب الحرب سواء من جهة القصف أو المعارك أو غير ذلك، وهؤلاء لا مأوى لديهم سوى الانتماء لهذا التنظيم.

تختلف التقديرات في عدد الأطفال الذين تم تجنيدهم بين 40 ألف إلى خمسة آلاف، وهي أرقام كارثية بكل معنى الكلمة، وتؤكد الحاجة إلى أكثر من العمل العسكري وحده لدفع خطورة هؤلاء على المستقبل.

فحتى الذين يمكن أن يتم إنقاذهم يحتاجون إلى فترة نقاهة وعلاج نفسي وإعادة تغيير لطريقة التفكير والمفاهيم لكي يتسنى لهم العيش مرة أخرى وسط المجتمع كبشر وليس كقتلة عقائديين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد