خمس سنين ثورة إذن!

الثورة التي يوم بدأت ظننا أنها ستنتهي بأشهر، بسنة، بسنتين. ليس بخمس كاملة ونهاية غير لائحة بالأفق!

قاتلة كل الاحتمالات التي تجعل من هذه الثورة شيئًا مبهمًا غير مكتمل.

منذ أكثر من عام لم أعد أثق بأية جهة سياسية أو عسكرية على الأرض، أثبتت معارضتنا بكل أطيافها فشلًا ذريعًا في إثبات كيان مستقل مؤهل لاستلام حكم في حالة تزحزح الأسد عن الحكم، وأثبت كل السياسيين فشلهم بتحالفاتهم التي لم تكن تغذي إلا مصالحهم.

لم يختلف هذا العام كثيرًا عن سابقه إلا من ناحية تدخل روسيا بوصفها حليفة على الأرض وشريكة بالقتل كما كانت لكنها هذه المرة تتشدق بها على مرأى من العالم ومسمع.

باقي المعطيات بقيت كما هي قتل/ تشريد/ حدود منتهكة/ دمار/ قصف يومي/ انفجارات/ موت لا يرحم أحدًا، وآلاف من المشردين المنكوبين النازحين اللاجئين الحاملين الهم أضعاف متاعهم، عداد الشهداء لم يتوقف يومًا، والمعتقلون مشاريع شهادة مغيبون تمامًا عن الإعلام، وسياسة الموت بكل أشكاله يمارسها الأسد كما أراد له العالم، واللجوء لأوروبا بات الحلم الذي يراود كل سوري.

اليقين الوحيد الذي بات راسخًا لدي ونحن ندشن عامًا سادسًا في هذه الثورة – التي آمل أن يدركها الرحمن بلطفه – هو الجيل الناشئ، الأطفال، الغد الذي نصنعه والذي ربما سينقذنا إن أتقنا صنعه.

أصبح الأمر حتميًا لدي أننا لسنا الجيل المؤهل لهذه المهمة، وأن جيلًا نشأ في كنف دكتاتور، وجيلًا قبله خانعًا لن يستطيع إنهاء الثورة التي بدأها، ويكفيه فخرًا أنه وبرغم كل ثقافة البعث، وهيمنته على العقول، استطعنا باعتبارنا جيلًا غير مؤهل لشيء أن نثور، وأن نشعل ثورة لا تزال ممتدة وإن عجزنا عن إنهائها كما أردنا، مهمة كهذه تحتاج لجيل يفهم لِمَ تشرد قبل أن يرى الوطن، ويعرف أن الوطن ينتظره بشوق وشغف، تحتاج لجيل يتساوى عنده الكبير بالصغير، وتضيع كل معاني الخوف من عينيه، جيل لم يعد لديه ما يخاف خسرانه، فلا أمن ولا أمان، ولا عائلة ولا استقرار، ولا حياة. جيل الخسارة هو الجيل الرابح دومًا.

مليئة سوريا اليوم، ومخيمات اللجوء بآلاف الأطفال الأيتام وغير الأيتام، من أضحوا بلا معيل ولا هدف، محرومون من التعليم، تعج بهم المخيمات، تركوا للضياع ليس أكثر، معروضون كضحايا حرب ليكونوا مشاريع مجرمين إن بقوا مهملين مهمشين بلا رعاية، فالإجرام، والسرقة، والدعارة، لا تحتاج لأكثر من بيئة معدمة ينشأ فيها طفل بلا هوية ولا مبادئ في ظل ضياع الهدف والبوصلة، ليهوي في مستنقع القذارة، ويصبح تداركه أمرًا شبه مستحيل!

منذ أكثر من ثلاث سنوات خرج ناشطون يتحدثون عن جيل سوري على المحك، لكن أحدًا لم يعبأ بنداءاتهم، وبقي هذا الجيل ثلاث سنوات أخرى ولا يزال على المحك يقترب من هاويته.

في حين اتجهت بعض الجمعيات الخيرية، ومن تعمل في مجال الإغاثة والتعليم، للاهتمام بهذا الجيل ووضعه ضمن أولوياتها، والعمل عليه كجيل صاعد، لا يحتاج فقط لطعام وشراب ومأوى، بل لثقافة وعلم وصناعة عقل، منها محبو دمشق في مشروعها حبات الرمان، وجمعية ليان في مشروعها بيت ليان، كذلك حراس بمكاتبها ومدارسها، بالإضافة لجمعية جسور، وسوريات عبر الحدود، وجمعية إسناد للدعم النفسي والتعليمي، وغيرهم من الجمعيات ممن انتبه لأهمية العناية والتركيز على هذا الجزء المهمل من المجتمع والذي لا تتوقف حاجته عند الطعام والشراب فحسب، بل تتعداها لحاجات أكبر وأهم تسهم بصناعة الغد.

ولست هنا بصدد التنظير، والحديث من منطلق «نحتاج/ وتحركوا/ وسنموت» وكل الدعوات المحبطة التي نسمعها، وإن كنت أكتب هذه الكلمات فهي لتكون توضيحًا لأهمية هذا العمل، والمضي فيه قدمًا، فالحاجة كبيرة جدًا لا تتناسب مع أعداد الجمعيات وأماكنها، وكل العمل المقدم يبقى قليلًا مقارنة بتسارع الأعداد وتزايد الحالات، وتفاقم الأمر الذي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

إذ إننا جميعًا نستطيع تقديم شيء مهما كان بسيطًا؛ فالأطفال في الداخل والخارج يحتاجون لدعم نفسي نستطيع تحقيق درجة كبيرة منه ببعض التمارين البسيطة «كاللعب، التمثيل، الرسم، الاستماع للحكايا وقص الحكايا، الرياضة والتنافس» وغيرها من الوسائل البسيطة التي نستطيع تقديمها، مع دمج الطفل بمجتمعه وإعطائه الفرصة لتشكيل صداقات ومعارف، يتعرف من خلال هذه العلاقات لمبادئ التعامل مع الآخرين بعيدًا عن العنف، والرفض، والعزلة. إضافة لحاجته لتعليم يعوض الفائت من السنوات التي مرت بلا تعليم، ومن ثم نعطيه مهارات حل المشكلات، ومهارات التفكير، مع دعمه بثقافة منتقاة يتم تزويده بها عن طريق القراءة، والاهتمام بمواهبه مهما صغرت، كأي طفل ينشأ في بيت عادي، آمن، بلا حرب، ولا تشرد!

ويتساءل القارئ كيف أقدم هذه الأشياء وأنا بعيد؟

أجيب هذا الجيل مسؤوليته مرمية على عاتقنا جميعًا، وتقديم الدعم المادي لا يرمي عن كاهلنا تأنيب الضمير، والأموال التي نشارك بها لا تعني أننا نقدم الكثير لثورتنا!

لديك الكثير لتفعله؛ لست مضطرًا أن تكون عضوًا في جمعية لتقدم شيئًا، ولا أن تنشئ جمعية أو دار رعاية، الأمر أبسط بكثير؛ فكر بزيارة المخيمات، أو بزيارة عوائل نزحت لبلدك، اصنع برنامجًا أسبوعيًا لأطفالهم، قدم لهم ما ذكرناه بالأعلى وبعضًا مما تقدمه لطفلك، تواصل مع من في الداخل، قدم ولو دعمًا معنويًا لهم، أدخل نفسك في دائرة بلدك، وشعبك، معاناتهم، ستجد أنك تستطيع تقديم الكثير، ببعض التخطيط البسيط، بعض الجهد، بعض التعب، وستسهم بصناعة مستقبل لوطنك؛ بدل جلوسك خلف الشاشات وشلال اللعنات على كل من ركب الثورة وسلكها السياسي لا يتوقف!

آن الأوان أن نفكر ببعض الإيجابية، ونركز على دوائر التأثير الخاصة بنا، وسنكتشف أن بيدنا قدرات لو صببناها على هذا الجيل فسنصنع الكثير، وأن الحل يكمن في جهات لا نتوقعها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة
عرض التعليقات
تحميل المزيد