هل رأيتَ رجلًا وقع على كنز ثمين غالٍ، وألقتْ إليه الأرض بأفلاذها، ثم هو قد ألقى به بعيدا في قاع المحيط، أو دفنه في بطن صحراء مترامية الأطراف، ليضيع الكنز بين ظلام المحيط أو صمت الصحراء؟!
لو رأيتَه فلا تقلق فإنه رجل أحمق ملتاث، قد لعبت الشياطين برأسه.

إننا نعالج التراب وقتًا كبيرًا لكي ينبت ويخضر ويأتينا بالورود والرياحين، فإذا فسد ولم يصلح للخضرة، ملأنا به المستنقعات، وفتحنا فيه القبور، وانتهت المشكلة، وكأن شيئًا لم يحدث!

هذا إذا تحدثنا عن التراب، فإذا كان الحديث عن أطفالنا: ثمرة الفؤاد، وبراءة الحياة، وبُناة المستقبل، وطليعة الغد المُرتقَب؛ فإن الأمر يحتاج إلى وقفةٍ متأنية، ونظرٍ ثاقب حصيف، وصبرٍ طويلٍ لا يمل، في التفتيش عن طرق تربية الأطفال وتنميتهم في مختلف الجوانب، والقيام بأعباء هذه المهمة الشاقة.

ومن أهم هذه الجوانب: جانب التنمية الفكرية؛ وتعني باختصار: (تكوين فكر الطفل بكل ماهو نافع)، ليصبح عضوًا نافعًا فيما بعد، ويكونَ إنسانًا سويًا يقوم بواجب، وينهض برسالة؛ لا أن يكون مِعْولًا للهدم، وأداةً للتخريب والفوضي.
إن الواقع مؤسف بلا شك، وحاضرنا مأساوي بمعني الكلمة، ومجد الأمة وحضارتها قد خاط عليها العنكبوتُ وبنى، وهذا يجعل واجبَ الآباء والمربين والموجهين صعبًا ثقيلًا، ويجعل مهمة البناء الفكري، والعطاء المعلوماتي، والتعمير العقلي للأطفال مهمة عسيرة للغاية ولكنها ممكنة.

فأحب أن أشارك بقلمي ولو بأقل القليل مع الجميع وخصوصًا من له احتكاك ببيئة الأطفال، وهذه بعض النقاط في هذا الطريق؛ طريق التربية الفكرية:

-التلقين بين الإيجابية والسلبية:

والمقصود منه التلقين الواعي، الذي يغرس في الطفل المبادئ البناءة، ومحاسن الشِيَم، وتضع قدمه على بداية الطريق السليم، وفى نفس الوقت لا بد من الموازنة بين التلقين في الجانب النظري والعملي؛ وهذا مُعلم الدنيا، وأستاذ البشرية، يوازن بين الأمرين: ففى الجانب النظري ( يا غلام إني أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصُحُف)، وهي وصايا مشرقة لا يقوم بها فرد إلا صار كالنجم في سماء حالكة، ولا طبقها مجتمع إلا واستيقظ من نومه الثقيل!

وأما في الجانب العملي فكثير مثل: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، (خذوا عني مناسككم).

فالتلقين بهذا المفهوم أمر ضروري للغاية، ولكن الاقتصار عليه غير مجدٍ، فلا بد من موازنة هي أشد خطورة وأكثر أهمية، وهي تحفيز الفكر نحو الإبداع، واستغلال طاقاتِه الراكدة فيما ينفع ولا يضر.
وكثير من المُربين – للأسف الشديد – يقوم بحشو دماغ الطفل بالمعلومات، ويرهق فكره الطَموح بواجبات مُملة فقط، وهو ماتفعله المنظومة التعليمية-  إن كانت موجودة -، فيتربي الولد على التقليد الأعمى، والمحاكاة البليدة، ويصبح الطفل أشبه ببرنامج ينتظر ( الأبديت)!، وينشأ جيل فاشل (… كَلٌ على مولاه أينما يوجهه لا يأتِ بخير).

كيف أُحفز مَلَكة الإبداع في الأطفال؟

*القراءة والتربية بالقصة: تعتبر القراءة من أهم وسائل استثارة قدرات الطفل، وتكوين فكره، وتشكيل شخصيته الناقدة المبدعة، وإثارة خياله الكامن، فلذلك تُعد غرس عادة القراءة، وربط الصغار بالكتب، وحكاية القصص ذات المحتوى الجيد على مسامعهم بأسلوب شيق، وحبكة درامية مثيرة، من أهم أساليب تنمية الإبداع.

*شجعهم وحررهم من الخوف: إن إحساس الطفل بالخوف من العقوبة إذا قام بتجريب شيء جديد، إحساس خانق للموهبة، قاتل للإبداع، أوقف هذا الشعور من التسرب لأطفالك، و قُم بتشجيعهم على الاستكشاف، والتجريب،والإنجاز، والتعلم من أخطائهم.

*ساعدهم على اكتشاف شغفهم وهواياتهم: فليس لكوْنك طبيبًا أو مهندسًا أو مُدرسًا أو..أو.. ، فيجب أن يكون طفلك كذلك؛ وما يدريك؟ لعله يكون مُبدعًا وأكثر إنتاجًا في مجال مختلف تمامًا عنك.
إن إجبار الطفل على مجال بعينه دون معرفة ميوله تُنشيء منه كائنًا بليدًا، نتج عن عملية استنساخ بلهاء!
فعليك أن تشارك ابنك وابنتك الهوايات المختلفة منذ صغرهم، لتتسع مداركهم ويستطيعوا في المستقبل القريب أن يحددوا مجالهم عن نفس قانعة شغوفة بما تصنع.

إن مهمة التربية مهمة جسيمة تحتاج إلى تفريغ أوقات وأعمار كاملة، لتنشئة أجيال صانعة خلاقة، تستحق القيادة عن جدارة، وتداوي العالم من أوجاع الجهل والفقر والفوضى والتفاهة والعبث.
فعلى كل واحد دور ولو بسيط سيُسأل عنه؛ فماذا تنتظر؟ فابدأ الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد