شاهدت ذات مساء برنامج (واحد من الناس) للإعلامي عمرو الليثي، يستضيف الفنانة لبلبة، وأثناء الحلقة قاموا بزيارة دار أيتام الأورمان بمدينة ٦ اكتوبر.. أنا أعرف تمامًا وجود عدد كبير من دور الأيتام في مصر، والأمر ليس بجديد، الجديد أني تناولت القضية بصورة مختلفة، وجال بخاطري وأنا اشاهد الحلقة سؤال: لماذا يوجد في مصر هذا العدد الهائل من الأيتام وأطفال الشوارع؟ أظن أن أحد أسبابه الرئيسة بجانب الفقر وحالات قليلة من وفاة الآباء، دون وجود عائل للطفل هو رفض المجتمع المتدين بطبعه الأبناء غير الشرعيين؛ مما يدفع أمهاتهم إلى التخلص منهم وتركهم في ظلمات الطرق.

ومر اليوم كما يمر أي يوم أشاهد فيه سلبيات كثيرة تغضبني، ولا حيلة لي أن أغيرها أو أن أفعل شيء حيالها حتى استيقظت صباح اليوم التالي واستوقفني أحد الأدعية على موقع للتواصل والمتداول بكثرة (اللهم اكفنا شر ولاد الحرام). ولا أعرف من أين نما إلى وعي هذا المجتمع أن الأبناء غير الشرعيين هم شر؟ ومن أين نما إلى وعيه وجوب معاقبة هؤلاء الأطفال بذنب هم غير مسئولين عنه؟ ومن أين نمت مشاعر الكراهية الدفينة لهؤلاء الاطفال؟ ومن أين نمت فكرة التنصل من المسئولية رادع للمخطئين، أو ليس تحمل مسئولية الخطأ أولى بالردع؟! والأهم من ذلك أين ذهبت فطرتنا السليمة واستبدلناها بهذه الهمجية والقسوة؟ وحتى إن تحدثت على المستوي العملي فنحن لا نعي كم من المواهب والمهارات نضيعها في كل قضية تهدف إلى التمييز ومعاقبة الآخر بذنب هو بريء منه بسبب هذه الأفكار المشوهة.. وعلى النقيض كم من النماذج الفاسدة التي تفتقد إلى الرعاية والاهتمام نقدمها للمجتمع.. وبدا لي أن أغلب حالات التعاطف مع هؤلاء الأطفال لا تعدو إلا رياء. محاولات كاذبة لإقناع أنفسنا أننا نقوم بأعمال الخير، ونغفل أننا برفضهم منذ البداية نمثل سببًا رئيسًا لمعاناتهم، ونغفل أن الخير في قبولهم بين آبائهم أو أكون أكثر دقة في حضن أمهاتهم، حتى وإن كانوا غير شرعيين قبل أن يتحولوا إلى ذلك المصير البائس، لكننا لا نلبث أن نغادر دور الأيتام وفي أقرب موقف تعلو أيدينا مرة أخرى بذلك الدعاء غير المعلوم مصدره (اللهم اكفنا شر ولاد الحرام).

وتذكرت منذ عدة سنوات قضية هند الحناوي ضد نجل الفنان فاروق الفيشاوي، عندما وقفت يدعمها أب واع في مواجهة التخلف الاجتماعي والديني للدفاع بشراسة عن حق طفلتها من قبل أن ترى الحياة في مجتمع لا يتورع أن يحمل طفل بريء خطأ والديه.. ثم لا يحكم بعدل، فيحمل إحدى الوالدين الخطأ كاملًا ويعفى الآخر منه.. ولا يتوقف ظلمه وبهتانه عند هذا الحد، بل يتطلع لتوليفة دينية تعضض من جهله.. فنفاجأ برجال دين حكماء يدعون أن الدين الذي كرم الإنسان وحياته أخيرًا وجد ذنبًا للموءودة يسبب قتلها.

حفيدة الحناوي ادعت أنها من المحظوظات والقلائل جدًا التي ربما تعد على أصابع اليد الواحدة وسط آلاف من الحالات المماثلة وهبت أمًا واعية، وجدًا أيضًا هو بالطبع والد هند للدفاع عن حقها في حياة كريمة.. ولم يتوقف دفاعهم عن حق الطفلة عند هذا الحد، ولكنهم أشفقوا عليها من حضن الجهل والتخلف ونقلوها إلى إنجلترا لتتعلم وتعيش في مجتمع ينظر للإنسان كفرد دون أن يحمله أعباءً وذنوبًا هو بريء منها.. حفيدة (الحناوي) ولن أقول (الفيشاوي).. (فالحناوي هو الأحق بشرف أي نجاح قد تصل إليه هذه الحفيدة الواعدة؛ فهو صاحب الفضل في دعم والدتها ورفع الظلم عنها)، توفر لها ما لم يتوفر لأطفال كثر استبدل المجتمع المتخلف حضنهم بالحنان والاحتواء إلى حضن فظ غليظ القلب مليء بالأشواك.

لا أعرف متى يتحول هذا المجتمع إلى الواقعية، ويواجه مشاكله بجرأة، ويشجع أفراده على تحمل مسئولية أخطائه، ويكف عن ممارسة فعل النعام مظنة إرضاء الرب. وفي أثناء حيرتي بدا لي تعريف آخر لأولاد الحرام، حين أى كل أم تقف بشجاعة تدافع عن طفلها، وتختار تحمل مسئولية خطئها بمفردها أمام مجتمع مشوه المفاهيم.. فسلام عليكن أينما كنتن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك