فنّ كتابة الرواية من الفنون الأدبية المشهورة والمعروفة منذ وقت طويل، فبدأت فكرة تداول الروايات مع شعور النَّاس بأهميتها للتعبير عن حياتهم وتاريخهم، فتناقلوا مجموعة من الروايات التي تصف أحداثًا حصلت بالفعل، أو تلك المنسوجة من الخيال التي تزداد أحداثها وتضاف لها تفاصيل أخرى مع تناقلها بين الأجيال، ومنذ انتشار الطباعة الورقية ظهر الكثير من الكُتّاب الذين اهتموا بتأليف الروايات الخيالية أو المقتبسة من المجتمع الذي يعيشون فيه، وخلال القرن العشرين استطاعت الرواية تخليد مكانتها عند النّاس، تحديدًا القرّاء ومتذوقي الأعمال الأدبية، بالتزامن مع الأحداث الواقعة في ذلك العصر، والمشاركة في تمهيد الطريق أمام الرواة لكتابة أعمالهم الروائية.

ظهر في القرن العشرين عدد من الكُتّاب العرب الذين كانت لهم بصمة واضحة في عالم الرواية العربية، ومنهم الكاتب المشهور (نجيب محفوظ) الحائز على جائزة نوبل للآداب في عام 1988، والذي ألّف مجموعة أعمال أدبية أضافت إلى المكتبة العربية، سواء في مجال الرواية أو القصة، فاشتهر بعدد من المؤلفات المهمة، مثل الثلاثية الروائية التي جمعت بين ثلاث روايات مهمة، وهي بين القصرين وقصر الشوق والسكرية، ثم تبعتها روايات أخرى، مثل اللص والكلاب، وزقاق المدق، وملحمة الحرافيش، وغيرهم. ولو وضعت جميع أعمال ومؤلفات نجيب محفوظ في كفّة ميزان، لخرجت منهم رواية واحدة توضع في الكفّة الأخرى؛ بسبب العاصفة الهوجاء التي ثارت حولها، وهي رواية (أولاد حارتنا).

كنتُ قد عرفتُ كثيرًا من المعلومات عن رواية أولاد حارتنا، منها ما قيل لي في حوارات متنوّعة، ومنها التي قرأتها في دراسات ومقالات منشورة حول الرواية، واختلفت الآراء في تقييمها بين الإشادة بالكاتب وأسلوبه في الكتابة، ومهاجمته وكيل أفظع العبارات وأكثرها قسوة عليه، فقررتُ قراءة الرواية لبيان طبيعتها ومعرفة محتواها، بعيدًا عن أي رأي آخر، ومن هنا كتبتُ هذه القراءة في رواية أولاد حارتنا، والتي سأوضح وأطرح فيها على أجزاء نبذة عن الرواية، وشخوصها، والرمزية الواردة في محتواها.

رواية أولاد حارتنا

أعلنت جريدة الأهرام في عام 1959 عن أنها ستبدأ نشر قصة الكاتب نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) ضمن حلقات متتابعة، وصار القرّاء يتابعون أحداثها باهتمام، لاكتشاف طبيعتها وأفكارها، ويمكن القول إنها شكّلت مرحلة مفصلية في مسيرة نجيب محفوظ الأدبية، فاختلفت تمامًا عن أعماله السابقة، وجاءت تحمل نكهة جديدة لم يعهدها القارئ في كتابات محفوظ، فاستخدم الرموز والدلالات لوصف الشخصيات، وخلط الواقع مع الخيال في صياغة الأحداث، ولكنه لم يخرج عن بيئة معظم رواياته، وهي الحارة الشعبية التي اجتمع فيها أبطال رواية أولاد حارتنا، ولكن بقالب مختلف جدًا أدّى إلى إثارة العواصف حول محفوظ، وجعل النَّاس ينقسمون بين مؤيدين لأفكاره وطريقة طرحه للأحداث، ومعارضين أشداء لمحتوى الرواية والسخرية الضمنية فيها.

وصل النقد والهجوم الشديد الذي تعرض له نجيب محفوظ على وقع أولاد حارتنا، للمطالبة بوقف نشرها من صفحات جريدة الأهرام، واتهام محفوظ بالإلحاد والكفر؛ بسبب الإشارات فيها إلى الله تعالى وقصص الأنبياء، ولكن لم تتوقف صحيفة الأهرام عن نشرها، بل استمرت حتى الفصل الأخير منها، أمّا نجيب محفوظ فرفض نشرها في كتاب، بعد الهجوم الذي تلقاه على أثرها، واشترط لنشرها أن يحصل على جميع الموافقات اللازمة لذلك، وفي عام 1962 صدرت الرواية مطبوعة من بيروت، ولكنها لم تحصل على موافقة لدخول مصر، وفي عام 1994 تعرض نجيب محفوظ لمحاولة اغتيال؛ لأن أثر الرواية لم يخب بعد، وظلّت ذات تأثير بصفتها من الكتب الشهيرة الممنوعة من النشر والتداول، وفي عام 2006 بعد وفاة محفوظ نشرت الطبعة الأولى منها داخل مصر.

نبذة حول الرواية

تتحدث رواية (أولاد حارتنا) عن حارة شعبية، قال نجيب محفوظ في افتتاحية الرواية بأنه عاصرها؛ لذلك قرر نقل جميع أحداثها وشخصياتها وأحوالها إلى القرّاء، وجمع فيها مجموعة من الشخصيات الرئيسية التي كانت محاور محركة للأحداث، وهم أدهم وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة، وجميعهم تجمعهم معًا شخصية واحدة وهي شخصية الجبلاوي والد أدهم، وجد جبل ورفاعة وقاسم، وعرفة مجهول النسب من ناحية الأب.

كل شخصية من شخصيات الرواية الرئيسية تجتمع معًا في الحارة، ولكن في زمن مختلف عن الآخر، وتشاركهم شخصيات أخرى في البناء الدرامي والرمزي للأحداث، ويعتبر كلّ بطل من الأبطال امتدادًا للبطل الذي سبقه باستثناء عرفة المختلف عن الجميع، ويسعى كل بطل نحو تحقيق هدفه الخاص، وهكذا تتابع الأهداف بداية من تحقيق السعادة الغنّاء التي حلم بها (أدهم)، ثم الانتصار على الشرّ بالقوّة وتحصيل الحقّ من خلال (جبل)، فالتخلي عن القوّة واللجوء إلى الحُبّ والتسامح بواسطة (رفاعة)، انتهاءً بالعدل والمساواة بين الجميع على يد (قاسم)، وجميعهم أثر فيهم (الجبلاوي) بصورة مباشرة وغير مباشرة، وصولًا إلى (عرفة) الذي يقلب بظهوره جميع المقاييس ويجعل أهل الحارة يحلمون بالعودة لأيام الجبلاوي.

تجمع الرواية بين نوعين من التضاد، وهما الخير والشرّ، والدّين والعلم، فيظهر الخير في شخصيات أدهم وجبل ورفاعة وقاسم، ويكون الشرّ بالفتوات الذين يتحكّمون بالحارة ويفرضون الإتاوات على النَّاس، بمساندة نظّار الوقف الذين يستعينون بهم لتوفير الحماية من جهة وتخويف النّاس من جهة أخرى، وتنتهي الرواية بتوضيح تأثير أهم رمزين تدور حولهما، وهما الجبلاوي المتمثل (بالدّين) وعرفة المتمثل (بالعلم).

الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة – اقتباس من الرواية

يتبع الجزء الثاني.. الشخوص في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رواية أولاد حارتنا – نجيب محفوظ – الطبعة الثانية عشرة – 2013 – دار الشروق – مصر.
"أولاد حارتنا" .. رواية نجيب محفوظ المؤدية رأسا إلى المنع ومحاولة الاغتيال – سعد القرش – صحيفة العرب.
رواية أولاد حارتنا في ميزان التصور الإسلامي – د. سيد عبد الحليم الشوربجي – الألوكة
عرض التعليقات
تحميل المزيد