قدّمتُ في الجزء الأوّل من المقال قراءة حول رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ، وتحدثتُ عن فنّ كتابة الرواية وتأثيره في النَّاس، تمهيدًا للحديث عن رواية (أولاد حارتنا)، وظروف نشرها والأحوال التي أحاطت فيها، ثم تطرقتُ إلى نبذة قصيرة عن الرواية والأفكار الرئيسية التي استخدمها الكاتب لبناء محتواها الروائي. أمّا الجزء الثّاني من المقال فسيكون لشرح وتوضيح طبيعة الشخوص في أولاد حارتنا وقصة كل شخصية منها؛ لأن أحداث الرواية مبنية على قاعدة أساسية من شخصيات أثرت فيها وحرّكت تفاصيلها حتى نهايتها.

الشخوص والأحداث المرافقة لها

الجبلاوي: الشخصية الرئيسة في رواية أولاد حارتنا، والمسؤول عن بناء الحارة وتأسيس الوقف فيها، ويمتلك القوّة والمال والسُلطة والنفوذ، ليكون المتحكّم بكلّ شيء في الحارة من بشر وحجر، ويعيش في (البيت الكبير) الذي يعدّ محور أحداث الرواية، ففيه كلّ سبل الراحة ويحتوي على حديقة بديعة جدًا. يُنجب الجبلاوي عددًا من الأولاد، وأكثرهما تأثيرًا في أحداث الرواية هما أدهم وإدريس.

منح الجبلاوي إدارة الوقف لابنه أدهم، وطلب من جميع أولاده احترام أخيهم والإذعان لهذا القرار، فوافق الجميع دون اعتراض، إلا إدريس الذي كان خبيثًا وماكرًا فأبى ورفض قرار والده، وقال إنه خير من أدهم لإدارة الوقف؛ لأنه الأكبر سنًا كما أن أمه (هانم) أي سيدة راقية، بينما أم أدهم ليست إلا امرأة عادية، وأثار ذلك غضب الجبلاوي ودفعه لطرد إدريس من البيت، فتوعد إدريس بأخذ حقّه مهما كانت النتيجة، وبنى كوخًا ليعيش فيه بجانب البيت الكبير، ومنذ تلك اللحظة بدأت العلامات الأولى لظهور مفهوم الفُتُوّة في الحارة، وهو شخص يسيطر على حي أو بلدة، ويفرض على النّاس مبالغ مالية مقابل حمايتهم، وعدم التعرض لهم بالأذى والضرب.

أدهم: الابن المختار من الجبلاوي، والذي يعيش حياة رغيدة في كنف البيت الكبير، فكان يحبّ الجلوس في حديقته البديعة للتأمل في جمالها وصفاء هوائها، ولكن بعد تكليفه بإدارة الوقف انقلبت حياته؛ بسبب المسؤولية التي تحملها، ومحاولات إدريس لتدمير سعادته، وينجح بذلك بعد أن يلتقي به ويخبره بضرورة الاطلاع على الشروط العشرة التي كتبها الجبلاوي حول ميراثه وأبنائه، والمحفوظة بغرفة تابعة لغرفة الجبلاوي.

يخبر أدهم زوجته بكلام إدريس، فتشجعه على اتّخاذ هذا الكلام محمل الجدّ، وتدفعه للذهاب إلى الغرفة لمعرفة شروط الجبلاوي، والذي يكتشف فعل أدهم فيطرده من البيت الكبير، ليعيش بكوخ قريب من كوخ إدريس، وينجب لاحقًا توأمًا من الأولاد وهما قدري وهمام، واللذان تكون لهما حصة من قصة أبيهما، وتقع الكارثة بعد أن يختار الجبلاوي همام للعيش معه في البيت الكبير، ليقتل قدري همام بعد فورة غضب منه، وأخيرًا يرضى الجبلاوي عن أدهم وعائلته ويخبره بأن الوقف وميراثه سيكون له.

جبل: هو من أحفاد الجبلاوي، وفي عهده ينتشر الشرّ من خلال شخصية ناظر الوقف الذي تربى وعاش في بيته، كما يصبح للفتوات حصة كبيرة في الحارة، وتؤكل حقوق النَّاس في الوقف، وتحديدًا حقّ (آل حمدان) الذين ينتمي لهم جبل، ويحاول بدوره الدفاع عنهم وتجنيبهم الوقوع في المهالك، ويشجعه على ذلك لقاؤه مع الجبلاوي نفسه، والذي يطلب منه إعادة حقوق آل حمدان لهم، وبعد معرفة النّاس بخبر اللقاء، يصبح جبل معروفًا بينهم بأنه أوّل من كلّم الجبلاوي بعد أدهم.

في أحد الأيام يتعارك رجل من آل حمدان مع أحد الفتوات، ويلمح جبل العراك فيذهب مسرعًا لمحاولة فضّه، ويقتل دون قصد الفتوّة، فيهرب إلى خارج الحارة ليتزوج من بنت شيخ يعمل حاويًا للأفاعي. يعود جبل إلى الحارة مع زوجته، وهدفه الوحيد هو ردّ حقّ آل حمدان لهم، والتخلص من شرّ الفتوات الذين يتعرضون لأهله بالسوء، ويفرضون عليهم عدم الخروج من بيوتهم، فيخطط جبل للقضاء على الفتوات، ويكون ذلك بعد معرفته بأنهم سيدخلون حي آل حمدان لقتل كل من فيه، ويستطيع جبل بخطّة محكمة أن يتخلص منهم، ويعقد صفقة مع الناظر للحصول على حقّ آل حمدان في الوقف، وهكذا يحقق مشيئة الجبلاوي، ويتحوّل اسم آل حمدان ليصبحوا (آل جبل).

رفاعة: حفيد للجبلاوي، يعود برفقه أهله إلى الحارة بعد مغادرتهم لها، ويشتغل مع والده بالنِّجارة، وفي يوم من الأيام أثناء وجوده بجانب سور البيت الكبير يسمع صوت الجبلاوي، فيخبره عن الحال التي وصلت لها الحارة، ليطلب الجبلاوي منه إعادة الحقّ للنّاس وجلب السعادة لهم، وهكذا تنقلب حياة رفاعة رأسًا على عقب، ليتخلى عن كل شيء ويتفرغ لتحقيق السعادة.

يتزوج رفاعة من فتاة اسمها ياسمينة لحمايتها من القتل، بعد افتضاح أمر وجودها في منزل أحد الفتوات أثناء الليل، ليستر عليها بزواجه منها، ثم يرحل معها إلى حي يعيش فيه المتسولون، ويستطيع رفاعة شفاء الكثير من النّاس، وزرع السعادة في نفوسهم، ويتّخذ مجموعة من الأصحاب الذين يرافقوه ويساعدوه في نشر السعادة، وبعد ازدياد خوف الفتوات والناظر من رفاعة لاعتقادهم بأنه يريد الاستيلاء على الوقف يقررون قتله، فيجهز مع رفاقه خطة للهرب، ولكن تفشي زوجته ياسمينة بالخطة إلى الفتوّة، فيتمكّن من القبض على رفاعة وقتله، وينتقم رفاقه له، فيتبعه الكثير من سكّان الحي الذي كان يعيش فيه، ليصبح اسمه حي (آل رفاعة).

قاسم: هو الذي جمع أشلاء الحارة بعد تناثرها، وسيطرت الفتوات عليها برفقة ناظر الوقف. عاش قاسم يتيمًا في بيت عمه، وعمل في رعي أغنام أهالي الحارة من أحياء آل جبل وآل رفاعة والجرابيع، وله رفيقان يلازمانه دائمًا وهما صادق وابن عمه حسن، وتزوج قاسم من سيدة ثرية في حارة الجرابيع.

اعتاد قاسم الجلوس ليلًا وحيدًا في الخلاء، وفي إحدى جلساته اقترب منه شخص عرّف عن نفسه بأنه (قنديل) خادم الجبلاوي، وأخبره بضرورة تحقيق المساواة بين أهل الحارة رجالًا ونساءً، وتوزيع مال الوقف عليهم بعدالة، فيخبر قاسم زوجته وعمه وأصدقاءه بذلك، ويحذروه من خطورة هذا الأمر؛ بسبب إدراكهم لقوّة وبطش الفتوات والناظر، ولكن يخبرهم بأنه سوف يسير في طريقه لتخليص الحارة منهم وتحقيق المساواة بين أهلها، فيسانده صادق وحسن وأصدقاء غيرهم.

بعد انتشار خبر قاسم بين النّاس يستهزأ الكثير منهم بكلامه، ومع تأييد بعضهم له، إلا أنهم خوفًا من الفتوات لم يظهروا ذلك، وبعد مقتل أحد أصدقاء قاسم على يد فتوّة، يطلب من أصدقائه المتبقين الهجرة خارج الحارة نحو الجبل، ويعدهم بمرافقتهم لاحقًا، وتزداد جماعة قاسم في الجبل والتي كانت تعد العدّة للعودة إلى الحارة مجددًا؛ لتحقيق مشيئة الجبلاوي بالمساواة والعدل، ويتمكّن الفتوات من معرفة مكان قاسم وجماعته في الجبل، وتندلعُ بينهم معركة تنتصر فيها جماعة قاسم، ويتوجهون إلى الحارة ويسيطرون عليها، ويهرب الناظر وينتهي عصر الفتوات، ويوزّع قاسم مال الوقف على جميع أهل الحارة دون استثناء، ويصبح اسم حي الجرابيع حي (آل قاسم).

عرفة: الشخصية الأخيرة من شخصيات رواية أولاد حارتنا، والتي جعلها نجيب محفوظ تواجه الجبلاوي؛ من خلال تقديم عرفة مجموعة أشياء لم يعرفها أهل الحارة سابقًا، وتتمثل هذه الأشياء بالسحر. عرفة من أحفاد الجبلاوي، ولكنه مجهول النسب، فلا أصل له، ولا يعرف من والده، أمّا أمه فكانت ساحرة تعيش في الحارة قبل أن تهجرها، وعندما عاد عرفة إلى الحارة كان برفقته صديق له اسمه حنش.

رفض عرفة الحكايات المتداولة عن جبل ورفاعة وقاسم؛ حتّى أنه شكّك بوجودهم في الحارة، ولكنه أراد معرفة شخصية جده الجبلاوي عن قرب؛ لذلك قرر أن يحفرَ حفرة أسفل سور البيت الكبير للوصول إلى الجبلاوي، وإخباره بحال الحارة والظلم الواقع فيها من الفتوات ورغبته في التخلص منهم، فيتمكّن من حفر الحفرة بمساعدة صديقه حنش، ويدخل إلى حديقة البيت الكبير التي سمع عنها في الحكايات، وينبهر بجمالها وبهائها، ويتوجّه نحو غرفة الجبلاوي، ولكن لم يجده فيها، ليدخل إلى الغرفة الصغيرة التي تحتوي على الشروط العشرة المتسببة بطرد أدهم وغضب الجبلاوي، فيفيق أحد الخدّام على حركة عرفة، ليقتله حتّى لا يشي بوجوده.

في اليوم الآتي، ينتشر خبر في الحارة بأن الجبلاوي مات حزنًا على خادمه المقتول، ويخبر ناظر الوقف عرفة بعلمه أنه كان السبب في موت الجبلاوي، ويطلب منه التعاون معه للتخلص من الفتوات باستخدام السحر، مقابل أن يصبح مقربًا منه، وبعد الاتفاق بينهما يقدّم عرفة للناظر قوارير سحرية للقضاء على الفتوات وأعوانهم، ليكون المقرب من الناظر، وفي أحد الأيام يقرر عرفة الهروب من الحارة، فيكتشف الناظر هربه ليقتله مع زوجته، ولكن صديقه حنش يتمكّن من الفرار، ويعود بحثًا عن كراسة عرفة للأعمال السحرية، بهدف تجريبها مجددًا في الحارة، ليغيّرها ويحقق رغبة عرفة بأن يكون جميع أهل الحارة من السحرة.

النتيجة بعد شرح طبيعة الشخوص

بعد شرح طبيعة كلّ شخصية من شخوص رواية أولاد حارتنا، صار من الممكن فهم محتواها بصورة أكثر وضوحًا، وإدراك رؤية نجيب محفوظ التي أراد نقلها في بنيتها الروائية، ولكن قد تغيب رمزيتها عن بعض القرّاء، ولا يمكن استنتاجها إلا من خلال القراءة المتمعنة لأسماء الشخصيات وحياة كلّ منها، والذي يجعل القارئ يدرك تمامًا مقاصد محفوظ من اختيار هذه الأسماء وتلك الشخوص بالذات؛ خصوصًا أن مرحلة كتابة الرواية تزامنت مع مجموعة من التغيرات الملموسة التي عاصرها نجيب محفوظ على الصعيد السياسي المصري والعربي، والحالة التي وصل لها المجتمع من غياب للقيم والأخلاق الدينية، وتغليب العلم ومخرجاته عليها، بدلًا عن جمعها معًا لتحقيق فوائد كثيرة تعود بالخير على الإنسان.

للحياة أطوارًا لا يخبرها المرء إلا يومًا بيوم – اقتباس من الرواية

يتبع الجزء الثالث.. الرمزية في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!