بعد تلخيص الرواية، وبيان ظروف نشرها، والنتائج المترتبة عليها، ثم عرض طبيعة شخصياتها وقصّة كلّ منها في المقالين السابقين، حول رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ. سوف أتحدث في هذا المقال عن الرمزية في الرواية، والتي كانت سببًا في شهرتها، ومن أحد عوامل حصول محفوظ على جائزة نوبل للآداب، مثلما كانت المحرض الرئيسي لمحاولة اغتياله، فتشارك الرمزية الشخوص بالأهمية في بناء نص الرواية، وبعد ذلك سأوضح النتيجة التي وصلتُ لها من قراءة «أولاد حارتنا».

الرموز والدلالات في الرواية

تعدّ رواية أولاد حارتنا من الروايات الغزيرة بالدلالات والإشارات، فجعلها ذلك تصنف ضمن الروايات الرمزية بامتياز، ولعلّ أكثر الرموز فيها وضوحًا هي المستخدمة في الإشارة لأسماء الشخصيات الرئيسية والأحداث المتزامنة معها، والتي شكّلت الوعاء الذي جمع كافة مكوّنات الرواية، وتبدأ هذه الرموز من الحارة نفسها، فقد استخدمها محفوظ هذه المرّة لوصف الكرة الأرضية –دون مبالغة– ففيها اجتمع أشخاص مختلفون، من حيث المستوى الاجتماعي، والانتماء الديني الرّمزي، الذي تجسّد في الانقسام بين الأحياء، والاختلاف السياسي والفكري الواضح بين النّاس، فظهر في الحارة أكثر من حي، ولكن ركّز الكاتب على ثلاثة أحياء فقط تتصل بقرابة مع الجبلاوي، وهم آل جبل، وآل رفاعة، وآل قاسم، واستخدمهم محفوظ للدلالة على الاختلافات بين الديانات السماوية الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلامية.

بعد الحارة تظهر الرمزية بوضوح في أسماء شخوص الرواية وحيواتهم، ومن هنا بدأت ملامح العاصفة الهوجاء التي ألمت بالكاتب نجيب محفوظ وروايته، وتعود إلى عاملين رئيسين، وهما: العامل الأوّل شخصية «الجبلاوي» الّذي استخدم رمزًا للديانات وأصولها، فالجبلاوي هو مشرع قوانين الحارة وأنظمتها، ويختار بعضًا من أولاده الذين يعيشون فيها لتنفيذ رسائل معينة، وهو الوحيد الذي بقي على قيد الحياة، مع وفاة جميع أولاده من أدهم وانتهاءً بقاسم، أمّا جزئية موت الجبلاوي على يد عرفة، فأعتقد أن محفوظ اختار هذه النهاية، لإبعاد الشبهات عن الرّمز الواضح والجلي لشخصية الجبلاوي، فجعل نهايته كنهاية أي شخصية روائية، ولكن لم ينجح في تدارك الغضب العارم الذي انسكب عليه وعلى الرواية، وبرأيي كان من الممكن تجنّب ذلك، بعدم تطرق محفوظ إلى الكثير من التفاصيل الواصفة والمفصلة لحياة الجبلاوي، ولكن في المقابل أصر على استخدامه ليكون الرّمز الأساسي الذي سيشير فيه إلى «الدّين»، بصفته الشريعة المطبقة في الحارة والجامعة للنَّاس معًا، بغض النظر عن اختلافهم بالمعتقد والفكر والتوجّه.

يظهر العامل الثّاني المسبب لعاصفة أولاد حارتنا بالرموز الواضحة والدالة على شخوصها الرئيسية، والتي شرحتُ قصة كل منها في الجزء الثّاني من هذا المقال، وتبدأ الشخصيات مع «أدهم»، فالمتابع لقصته يرى التشابه الواضح بينها وبين قصة النّبي آدم –عليه السلام– فخروج أدهم من البيت الكبير بعد دخوله الغرفة التي تحتوي على الشروط العشرة بتشجيع من زوجته، مشابه لأكل النّبي آدم من الشجرة المحرمة في الجنّة، وولادة ابني أدهم قدري وهمام، وقتل قدري لهمام يشبه قصة قتل قابيل لهابيل، أمّا «إدريس» الابن المتعنت والرافض لقرار إدارة أدهم للوقف، فهو ليس إلا إبليس الذي رفض السجود للنبي آدم، واستعان محفوظ بهذه القصة لتكون افتتاحية ثانية لروايته بعد الافتتاحية الأولى التي أرفقها معها.

بعد أدهم تأتي شخصية «جبل»، والقارئ الجيّد يدرك تمامًا أن المقصود فيه هو النّبي موسى –عليه السلام– واقتبس محفوظ اسم جبل من المكان الذي كلّم فيه النّبي موسى الله -سبحانه وتعالى- وأعاد تكرار القصّة برمزية بحتة، استخدم فيها الوقف، وناظره، وزوجته دلالة على فرعون وزوجته، وعزّز تأكيد ذلك بعد أن أشار إلى الحديث الذي دار بين الجبلاوي وجبل عن الحارة وأهلها، ليحصّل جبل حقّ أهله فيها آل حمدان وهو اسم اخترعه محفوظ للإشارة إلى بني إسرائيل، ولكن أضاف قليلًا من الخيال ليجعل القصّة تسير في طريق مختلف عن القصة الأصلية.

تظهر شخصية «رفاعة» الذي يرفض القوّة ويستبدل بها التسامح والعطف لنشر السعادة بين النَّاس، والمتابع لقصته سوف يدرك أن اسمه مشتق من الفعل رفع، وهو ممّا لا شكّ فيه يدل على السيد المسيح -عليه السلام– أمّا رفاقه في القصّة فهم تلاميذ المسيح، والزوجة كانت رمزًا للدلالة على وشاية يهوذا الإسخريوطي بالمسيح، وتنتهي القصّة باختلاف آراء أهل الحارة حول نهاية رفاعة، فمنهم من يقول إنه عُذّب وقُتل، ومنهم من يقول إن «الجبلاوي رفع جثته لدفنها في حديقة البيت الكبير». وهنا يُظهر محفوظ الاختلاف بين الإسلام والمسيحية حول صلب ورفع المسيح -عليه السلام-.

«قاسم» آخر الأبطال الأخيار في الحارة، وأكثرهم تأثيرًا في أهلها، فلم يأتِ لتحقيق الخير لحي واحد فقط، بل جاء لضمان حصول جميع أهل الحارة على الخير دون استثناء، وتظهر الرمزية في قصّة قاسم من اسمه أولًا، والقارئ لحياة الشخصية في الرواية أو مثلما وردت في الجزء الثّاني من هذا المقال، سوف يدرك أن محفوظ استخدم هذا الاسم إشارة للرسول محمد –صلى الله عليه وسلم– لأنه يُكنى بأبي القاسم، أمّا صادق رفيق قاسم، فهو ليس إلا أبا بكر الصدّيق –رضي الله عنه– وصديقه وابن عمه حسن في الرواية هو الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه– أمّا قنديل رسول الجبلاوي إلى قاسم، فوضوح الاسم يكفي للإشارة بأنه مشتق من اسم جبريل – عليه السلام– وطبعًا لم يغفل محفوظ عن استخدام الخيال لتغيير أحداث القصّة، وجعلها أقرب ما تكون لحارة شعبية، ومن الممكن اعتبار أن قصّة قاسم كانت الأكثر رمزية بين القصص السابقة جميعها، وأعتقد أن سبب ذلك يعود لتأثّر محفوظ بالفكر الإسلامي، ودور الرسول –صلى الله عليه وسلم– في توحيد النّاس معًا، وتحقيق العدل والمساواة بينهم.

تتجلى الرّمزية الأخيرة في الرواية ببطلها الأخير والمختلف عن الأبطال السابقين، وهو «عرفة»، واسمه مشتق من عرف، دلالة على المعرفة المرادفة للعلم، ويوضح محفوظ هنا أن العلم يمتلك قوّة هائلة، ولكن لا يمكنه أن يكون بمعزل عن الدين، ولكن أظهر بالمقابل سلبية العلم عندما يستخدم بطريقة خاطئة، وتبعد النّاس عن دينهم، ويوضّح سياق الرواية ذلك بأمنيات أهل الحارة للعودة إلى أيام الجبلاوي.

النتيجة.. بعد قراءة رواية أولاد حارتنا وتحليلها

بعد قراءة رواية أولاد حارتنا وتحليل شخوصها والرمزية في شخصياتها وأحداثها، يمكن القول إن نجيب محفوظ عندما قرّر تأليف أولاد حارتنا كان قد وصل إلى مرحلة يريد فيها الخروج عن المألوف في مسيرته الأدبية، وتجربة نوع جديد من الكتابة، لاختبار مدى فعاليتها وتأثيرها في القرّاء، ولم يتوقع ردود الأفعال المتباينة حولها والتي أصابته شخصيًّا، ولكنه نجح في نقل صورة عن المجتمع المصري خاصّة، والعربي عامة في وقت صدور الرواية، إبان مرحلة هبّت فيها أكثر من عاصفة على العالم العربي خلال القرن العشرين، فأراد محفوظ التعبير عن وجهة نظره نحوها باستخدام عمل روائي، بعد غيابه عن الكتابة الروائية منذ عام 1952.

ظهر ذكاء محفوظ في الرواية من خلال إسقاطه الواقع في مرحلة كتابتها على حارة شعبية، فأراد انتقاد الحالة التي وصل لها المجتمع من تشرذم وتفكّك بين النّاس، وغياب للأخلاق والقيم المستمدة من الدّين، وهذا ما يفسّر اختياره قصص الأنبياء للاستشهاد فيها بهدف توصيل أفكاره بسرعة إلى القرّاء، ومحاكاة فهمهم المبني على معرفة سابقة بسير حياة وقصص الأنبياء، ثم خلطها مع أفكاره المتخيلة لإخراج قصة كل شخصية في الرواية على الصورة التي كتبت عليها؛ لذلك عندما واجهت روايته نقدًا حادًّا، رفض نشرها في كتاب إلا بعد حصوله على الموافقات اللازمة لذلك، ومن أهمها موافقة الأزهر الشريف، ولكن قصص الرواية كانت بالفعل بين يدي عدد من القرّاء الذين تابعوها على صفحات جريدة الأهرام، وهكذا أصبح محتواها معروفًا لديهم، ولا يمكن تغييره بما يتوافق مع إجماع الآراء الناقدة لها والمهاجمة لمحفوظ شخصيًّا، فكان التروي قبل نشرها هو الخيار الأخير أمامه.

في المقابل يوجد عتب على الرواية لا يمكن إخفاؤه، ناتج عن المبالغة غير المبررة في بعض الأحداث، فيكثر محفوظ من وصف جلسات تدخين الجوزة «النرجيلة» في حياة الأبطال، كما لا يتوقف عن إضافة مشاهد تناول الحشيش «المخدرات»، كأن حياتهم كانت مقسومة بين فعل الخير والجلوس في المقهى للتدخين، وفي ذلك مبالغة لم تخدم النّص، ولا مبرر لاستخدامها، خصوصًا أن الشخصيات التي يرمز لها في الرواية لا يجوز لصق أحداث غير منطقية في حياتها، حتّى لو كانت من محض الخيال، فمن آداب الكتابة وأسّسها عدم الإساءة للأديان والطوائف ورموزها، ومن هنا آتى هذا العتب على محفوظ وسياق الرواية الذي من الممكن أن يكتمل دون المبالغة، وإضافة أحداث غير مفيدة له.

أخيرًا، أراد نجيب محفوظ برواية أولاد حارتنا نقل أكثر من رسالة إلى النّاس، والمتمثلين بأهل الحارة في الرواية، فأشار إلى ضرورة الخروج من قوقعة الجهل والتباكي على الماضي، والبحث عن الطرق التي تساعد على النهوض بالمجتمع المتمثل بالحارة نحو الأفضل؛ من خلال الجمع بين الدّين والعلم، وليس تغليب العلم على الدّين، وتناسي القيم الدينية التي شكّلت المعايير والأسس ليدرك الإنسان نفسه، ويكتشف واقعه بصورة أفضل، وكانت أيضًا المورد الرئيسي المحفّز لانبثاق شتى أنواع العلوم التي شاركت في نهضة البشرية وتطوّرها، فلولا وجود الدّين في حياة النّاس لكانت علومهم ضاعت، وأضحت هباء منثور.

على رغم تعاسة حارتنا فهي لا تخلو من أشياء تستطيع إذا شاءت أن تبعث السعادة في القلوب المتعبة!
– اقتباس من الرواية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رواية أولاد حارتنا – نجيب محفوظ – الطبعة الثانية عشرة – 2013 – دار الشروق – مصر.
"أولاد حارتنا" .. رواية نجيب محفوظ المؤدية رأسا إلى المنع ومحاولة الاغتيال – سعد القرش – صحيفة العرب.
رواية أولاد حارتنا في ميزان التصور الإسلامي – د. سيد عبد الحليم الشوربجي – الألوكة.
قراءة في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ - عبدالله دعيس - صحيفة رأي اليوم.
عرض التعليقات
تحميل المزيد