صُدِمتُ مثل ملايين المشاهدين عند رؤية شريط مصور للصحفية المصرية سلوى حسين وهي تستجوب أطفالًا وشبابًا مكبلين في الأصفاد، معتقلين في مبنى الديوان العام لمحافظة بورسعيد وتُشَهِّر بهم وتنال من كرامتهم وتنتهك حقوقهم.

فقد نشرت محافظة بورسعيد يوم الخميس (19 ذي القعدة 1439هـ / 12 أغسطس (آب) 2018) على صفحتها الرسمية على «الفيسبوك» شريطًا لعدد من الأطفال الذين أُلقي القبض عليهم أثناء قيامهم بـ «نقل» بضائع من داخل ما تُسمى المنطقة الحرة في بورسعيد المصرية إلى مناطق مصرية خارج المنطقة الحرة، دون المرور عبر المنافذ الجمركية بالمحافظة ودفع رسوم جمركية على تلك البضائع.

التساؤل الأول الذي انتابني هو: ألهذه الدرجة وصل فشل المسؤولين في محافظة بورسعيد (وغيرها من المحافظات وليس في مصر فحسب) حتى يجعلوا من «تهريب» بضعة بضائع غير محرمة (ملابس… إلخ) لا قيمة لها قضية يُستنفر لها الإعلام ويصفد بسببها أطفال ويُعرضون بطريقة مهينة على عامة الناس؟ أهذه هي الأعمال التي تبيعونها باعتبارها نجاحات بطولية لتبرروا بها وجودكم ورواتبكم وامتيازاتكم؟

أليس من حق المتهم حتى لو كان رجلًا راشدًا وحتى لو قام فعلًا بجريمة عظيمة تستحق العقوبة أن تُحفظ كرامته ولا يتم استجوابه في العلن، ناهيك عن استجواب صحفيين له؟

هل يجوز تقييد أطفال في الأصفاد، خصوصًا إذا كانت الجريمة المتهمين بها لا تتعدى كونها مخالَفَة إدارية متعلقة بدفع رسوم جمركية وليست جريمة متعلقة بدماء الناس (هكذا أعتبرها – مخالَفَة إدارية – ولا أتفق مع القوانين التي تجعل منها جريمة تستحق السجن وغرامات مالية باهظة)؟ أليس في حالة المخالفات الإدارية، حتى لو قام بها الكبار الراشدين، الاكتفاء بأخذ بيانات المتهم وضبط ما بحوزته من أغراض أو بضاعة لها علاقة بالمخالفة ثم إخلاء سبيله، ليتوصل لاحقًا برسالة تلزمه بدفع الغرامة المالية ومستحقات الرسوم الجمركية (بغض النظر عن شرعيتها) ليستعيد بضاعته المحتجزة؟

غرابة منطق المناطق الاقتصادية الحرة

بغض النظر عن شرعية الرسوم الجمركية، بأي منطق تُقَسَّم مناطق داخل الدولة الواحدة لِتُوضع حواجز وحدود بينها ويُجبر الناس على دفع رسوم جمركية لنقل بضاعة من منطقة إلى منطقة أخرى في نفس الدولة، كما هو الحاصل مثلًا في مصر، حيث تخضع منطقةٌ في بورسعيد، تُسمى منطقة حرة، لقوانين خاصة تُعفى بموجبها الشركات من الضرائب ومن دفع رسوم جمركية على بضائع تصل إلى المنطقة الحرة من خارج مصر أو تُصدَّر من المنطقة الحرة لخارج مصر. لكن تُفرض رسوم جمركية على البضائع التي تُنقل من المنطقة الحرة في بورسعيد إلى مناطق أخرى داخل مصر؟ كيف تُعفى شركات أجنبية من دفع الضرائب والرسوم الجمركية لتحفيزها على الاستثمار في بورسعيد وتمكينها من أعلى نسب من الربح على حساب الشعب في مصر، في حين يتم إثقال كاهل أهل مصر من التجار والمستهلكين بالضرائب والرسوم الجمركية؟ إذا كانت فكرة المناطق الحرة محفزة على الاستثمار وإنعاش الحركة التجارية وإيجاد فرص العمل، فَلِمَ لا تكون البلاد كلها منطقة حرة ولكل الشعب وليس للمصانع والشركات فحسب، حتى يحقق كل أهل البلد – الشعب كله – نسب كبيرة من الربح ويُحفَّزون على الاستثمار وتقوى لدى الناس القوة الشرائية؟

الرسوم الجمركية من أعظم الكبائر والمُوبِقَاتِ

بأي حق يُعامل من يشترون بضاعة من منطقة تُسمى المنطقة الحرة في بورسعيد المصرية ويريدون نقلها إلى أماكن أخرى داخل مصر باعتبارهم مجرمين؟ هل سرقوا البضاعة؟ بأي حق يُعتبر عملهم وتعتبر تجارتهم حرامًا والله يقول {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (سورة البقرة)؟

فمن أشد ما أثار حفيظتي هو إصرار الصحفية سلوى حسين التي استجوبت أطفال بورسعيد المعتقلين على توبيخهم بأن تهريبهم للبضائع فعل حرام. متى كان تَّهَرُّب مسلم في بلاده الإسلامية من دفع رسوم جمركية حرامًا؟ هل الله أو رسوله أمَرَا بأخذ رسوم جمركية من المسلمين حتى يُعتبر التهرب من دفعها حراما {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة النحل)؟

الرسوم الجمركية قانون وضعي من البشر وليست أمرًا فرضه الله ورسوله، وبالتالي لا يجوز اعتبار التهرب من دفعها حرامًا، بل هو على أقصى تقدير مُخالَفَة إدارية ليس إلا، مخالفة لقانون لم يقره الشرع أصلا. لا بل الشرع يحرمها، ويعتبرها من الكبائر، فقد قال رسول الله عن الْغَامِدِيَّة، المرأة التي زنت وجاءت الرسول ليقيم عليها حد الزنا: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ» (صحيح مسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ» (رواه أحمد وأبو داوود والحاكم).

والمَكْس (جمع مُكُوس) هي نسبة من قيمة البضاعة تُؤخذ من التجار في الأسواق وحين عبورهم الحدود، فهي عبارة عن ضريبة يدفعها التجار للدولة مقابل السماح لهم ببيع بضاعتهم في الأسواق أو نقلها إلى الدولة أو عبور الدولة بها. والمُكوس تسمى أيضًا رسومًا جمركية وعشورًا. وسُمِّيت بالعشور لأنه تُرفع عادة 10% من قيمة البضاعة كرسوم. والذي يُحَصِّل المُكوس هو الماكِسُ أو الجمركي أو العَشَّار أو العَاشِر.

قال الإمام النووي (المتوفى سنة 676هـ) في تعليقه على الحديث النبوي: [قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»، فِيهِ أَنَّ المكسَ مِنْ أَقْبَحِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ الْمُوبِقَاتِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُطَالَبَاتِ النَّاسِ لَهُ بِظِلَامَاتِهِمْ عِنْدَهُ، وَتَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ وَانْتِهَاكِهِ لِلنَّاسِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَصَرْفِهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهَا] (انتهى الاقتباس من شرح النووي على مسلم).

وأفرد أبو عُبيد القاسم بن سلاّم (المتوفى 224هـ) في كتابه الأموال بابًا تحت عنوان: «ذِكْرِ الْعَاشِرِ وَصَاحِبِ الْمَكْسِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالتَّغْلِيظِ»، مما ذكر فيه: [كَتَبَ الخليفة عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ أَنْ ضَعْ عَنِ النَّاسِ الْفِدْيَةَ، وَضَعْ عَنِ النَّاسِ الْمَائِدَةَ، وَضَعْ عَنِ النَّاسِ الْمَكْسَ. وَلَيْسَ بِالْمَكْسِ، وَلَكِنَّهُ الْبَخْسُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (سورة هود)؛ … وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ الْقَارِيِّ أَنِ ارْكَبْ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي بِرَفَحَ، الَّذِي يُقَالَ لَهُ بَيْتُ الْمَكْسِ، فَاهْدِمْهُ، ثُمَّ احْمِلْهُ إِلَى الْبُورِ، فَانْسِفْهُ فِيهِ نَسْفًا؛ … وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ زِيَادَ بْنَ حُدَيْر (وكان كاتبًا للخليفة عمر بن الحطاب على العشور): مَنْ كُنْتُمْ تَعْشُرُونَ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَعْشُرُ مُسْلِمًا، وَلَا مُعَاهَدًا. قُلْتُ: فَمَنْ كُنْتُمْ تَعْشُرُونَ؟ قَالَ: تُجَّارَ الْحَرْبِ، كَمَا كَانُوا يَعْشُرُونَنَا إِذَا أَتَيْنَاهُمْ؛ … وعَنْ مَسْرُوق (كان ماكسا في منطقةٍ بالعراق عيَّنه عليها زياد بن أبي سفيان – والي العراق في عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان –)، أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَمَلًا أَخْوَفَ عِنْدِي أَنْ يُدْخِلَنِي النَّارَ مِنْ عَمَلِكُمْ هَذَا (يعني تحصيل المكوس)، وَمَا بِي أَنْ أَكُونَ ظَلَمْتُ فِيهِ مُسْلِمًا وَلَا مُعَاهَدًا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَكِنِّي لَا أَدْرِي مَا هَذَا الْحَبْلُ الَّذِي لَمْ يَسُنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ. قَالُوا: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ دَخَلْتَ فِيهِ؟ قَالَ: لَمْ يَدَعْنِي زِيَادٌ، وَلَا شُرَيْحٌ، وَلَا الشَّيْطَانُ حَتَّى دَخَلْتُ فِيهِ] (انتهى الاقتباس).

وقال شمس الدين الذهبي (المتوفى 748هـ) في كتابه الكبائر: [المكَّاس دَاخلٌ فِي قَول الله تَعَالَى {إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم} (الآية)، والمكَّاس من أكبر أعوان الظَّلمَة بل هُوَ من الظلمَة أنفسهم، فَإِنَّهُ يَأْخُذ مَا لَا يسْتَحق وَيُعْطِيه لمن لَا يسْتَحق، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «المكاس لَا يدْخل الْجنَّة»، وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «لَا يدْخل الْجنَّة صَاحب مكس». وَمَا ذَاك إِلَّا لِأَنَّهُ يتقلد مظالم الْعباد وَمن أَيْن للمكاس يَوْم الْقِيَامَة أَن يُؤَدِّي للنَّاس مَا أَخذ مِنْهُم، إِنَّمَا يَأْخُذُونَ من حَسَنَاته إِن كَانَ لَهُ حَسَنَات، وَهُوَ دَاخل فِي قَول النَّبِي: «أَتَدْرُونَ من الْمُفلس؟»، قَالُوا يَا رَسُول الله الْمُفلس فِينَا من لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع، قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: «إِن الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي بِصَلَاة وَزَكَاة وَصِيَام وَحج وَيَأْتِي وَقد شتم هَذَا وَضرب هَذَا وَأخذ مَال هَذَا، فَيُؤْخَذ لهَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته، فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْضِي مَا عَلَيْهِ أَخذ من سيئاتهم فطُرحت عَلَيْهِ ثمَّ طُرح فِي النَّار»؛ والمكاس من فِيهِ شبه من قَاطع الطَّرِيق وَهُوَ من اللُّصُوص، وجابي المكس وكاتبه وَشَاهده وَآخذه من جندي وَشَيخ وَصَاحب رِوَايَة شُرَكَاء فِي الْوزر آكلون للسحت وَالْحرَام، وَصَحَّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا يدْخل الْجنَّة لحم نبت من السُّحت النَّار أولى بِهِ»؛ والسحت كلُّ حرَامٍ قَبِيح الذكر يلْزم مِنْهُ الْعَار] (انتهى الاقتباس من الكبائر للذهبي).

وذكر ابن حجر الهيتمي (المتوفى 973هـ) في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر: [جِبَايَةُ الْمُكُوس دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة الشورى). وَالْمِكَاسُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ: مِنْ جَابِي الْمَكْسِ وَكَاتِبِهِ وَشَاهِدِهِ وَوَازِنِهِ وَكَائِلِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَكْبَرِ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ بَلْ هُمْ مِنْ الظَّلَمَةِ بِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ وَيَدْفَعُونَهُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ صَاحِبُ مَكْسٍ الْجَنَّةَ لِأَنَّ لَحْمَهُ يَنْبُتُ مِنْ حَرَامٍ] (انتهى الاقتباس).

فالرسوم الجمركية لا يجوز فرضها إلا على الكفار غير المقيمين في بلاد المسلمين والذين ليست معهم معاهدة حين يريدون عبور بلاد الإسلام أو مياهها بحمولة تجارية (حسب قاعدة المعاملة بالمثل، أي كما يأخذون رسومًا جمركية من المسلمين)، أما المسلمين وأهل الذمة والمعاهدين من الكفار فلا يجوز شرعًا أخذ رسوم جمركية على بضاعتهم.

فالمسلم الذي يتهرب من دفع الرسوم الجمركية في بلده الإسلامي محق في ذلك، ولا يقوم بعمل محرم، وبالتالي لا يجوز نعت «المهربين» بأنهم مجرمين، فهم يمارسون البيع – التجارة – التي أحلها الله، وينقلون بضاعةً ملكًا لهم لم يسرقوها أو بضاعة فوّضهم مُلاكُها بنقلها لهم مقابل مبلغ من المال. أما المجرمون فهم الذين يأخذون أموال الناس بغير وجه حق. فكون قوانين وُضعت لجباية رسوم جمركية وتُجَرِّم من يتهرب من دفعها وتعاقبه فهذا لا يعني أن المتهربين من دَفْعِها مجرمين فعلا ويقترفون حرامًا، لا أبدا؛ فهذه القوانين تشبه مثلا القوانين التي تجرم الحجاب أو النقاب وتمنعه؛ فكما أن المسلمة التي لا تخضع لقوانين منع الحجاب ليست مجرمة ولا آثمة بل مُثابة، فكذلك المسلم الذي يتهرب من دفع الجمارك في بلاد إسلامية مُثاب إن شاء الله.

فالجمارك من القوانين الوضعية التي ضيقت على الناس أرزاقهم ونهبت أموالهم وحقوقهم، جعلت من أناس شرفاء يكدون لكسب رزقهم بالحلال مجرمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد