بغض النظر عن العادات الغذائية الخاطئة المنتشرة في المجتمعات حول العالم، كثيرًا ما يتهم الآباء وخصوصًا الأمهات تحديدًا، بأنهم السبب وراء سمنة أطفالهم، وعدم تشجيعهم على اتباع نظام غذائي صحي، وهذا الاتهام صحيح إلى حد كبير، فالأمهات ومنذ أن يكون الطفل رضيعًا، يعتبرن أنَّه من مهام الأمومة السامية، حشو الطفل بالطعام، وطلب الطفل للطعام بكثرة، يعتبر دليلًا على نمو جيّد، وصحّة ممتازة، وتمتنع الكثير من الأمهات عن اتباع نظام غذائي صحّي لأطفالهم، بحجة أنّهم ما زالوا صغارًا، وبحاجة إلى الطعام المستمر، وإلى التعرّف على شتّى أنواع المذاقات، وشيئًا فشيئًا يبدأون بالخضوع لرغبات الطفل ومتطلباته الغذائية التي يجهل الكثير من الأهل عواقبها على أطفالهم، ومع نمو الطفل ووصوله إلى سن المدرسة، تكون الكثير من العادات الغذائية سواء كانت صحيّة أم لا قد ترسّخت، ويصبح من الصعب على الأم تغييرها، وتفاجأ الأم بأنَّ طفلها سميّن، ولا يحب تناول الفواكه والخضار، وأنَّ وجباته المفضلة هي المأكولات السريعة أو رقائق الشيبس، بينما عصيره المفضل المشروبات الغازية، وأنه يتناول الطعام بكثرة، وعندها إما أن تتجاهل الأمر، وتبرره بأنَّ السمنة أفضل من النحافة الشديدة، أو أن تبدأ رحلة متعبة لتغيير وتنظيم عادات ابنها الغذائية، وهذا يتطلب وقتًا وجهدًا، ويتطلب من كافة أفراد العائلة أن تغير عاداتها لا فقط من الأطفال الصغار.

هل هناك مشكلة؟

بحسب منظمة الصحة العالمية يوجد 43 مليون طفل حول العالم، يعانون من وزن مفرط، لكن المفاجأة أنَّ أغلب الآباء لا يجدون مشكلة في كون أبنائهم مفرطين في الوزن، بل يعتقدون بأنهم بذلك يكونون أكثر جاذبية وأكثر صحّة، ولكن الدراسات تشير إلى عكس ذلك تمامًا، حيث أنَّ طفلين من بين ثلاثة أطفال مصابين بالبدانة سيكونون مفرطي الوزن أيضًا عندما يكبرون، إضافة إلى ارتفاع معدلات إصابة الأطفال البدناء بأمراض السكري، وارتفاع ضغط الدم، والكوليسترول، والأمراض الجلدية، وصعوبة التنفس، ولا يتوقف الأمر عند هذا، بل تشير الدراسات النفسية إلى أنَّ الطفل البدين هو طفل مرشح للإصابة بالاكتئاب وضعف الثقة بالنفس، لأنه يواجه باستمرار سخرية الأطفال الآخرين ونظراتهم، ويسيطر عليه الحزن لأنَّه لا يمتلك النشاط واللياقة التي يتمتع بها أقرانه.

من السبب؟

رغم أنَّ الوراثة تلعب دورًا أحيانًا في سمنة الأطفال، إلاَّ أنَّ غالبية حالات سمنة الأطفال يكون المتسبب الأول بها الأسرة، وعاداتها الغذائية، فمثلًا في كثير من الثقافات، ومنها العربيّة يعتبر الطفل بالطعام تعبيرًا عن العناية والحب، وتوصف الأم التي تفرض قيودًا على تناول أطفالها المشروبات الغازية أو الوجبات السريعة والحلوى بالأم المستبدة، وهذه المشكلة لا تكمن في العالم العربي وحسب، إنما تعاني الولايات المتحدة أيضًا من زيادة مفرطة في وزن الأطفال، ومن اعتقاد بأنَّ حب الأطفال مرتبط بكمية الطعام التي يتناولونها، وفعليًا المشكلة تكمن في نوعيّة الطعام أيضًا، لا فقط في كميّته، فالطفل في النهاية مرآة لوالديه، وقد أظهرت الأبحاث أنَّ الطفل يميل إلى تناول ما يتناوله والداه سواء من حيث النوعية أم الكميّة، لهذا لن تستطيع أم أن تقنع طفلها بتناول عصير الجزر وهي تتناول الكولا، ولن يستطيع أب أنَّ يبرهن لابنه أنَّ الخضراوات شهية ومفيدة، بينما بين يديه صحن من الحلويات والشوكولا، أو أن يقنعه بأنَّ الرياضة ضرورية لصحة الجسم، بينما الطفل هو الوحيد المطالب بممارستها دون مشاركة من الوالدين، ولا يمكن أنَّ ننكر أنَّ أطفالنا هم ضحية مجتمع استهلاكي، وحياة عصريّة لعبت دورًا كبيرًا في إصابتهم بالسمنة، فهم يقضون جل وقتهم، إما يشاهدون التلفاز الذي تدمر إعلاناته كل المفاهيم الغذائية الصحيّة، أن يلعبون ألعابًا الكترونية، لا تطالبهم بأكثر من الجلوس لساعات متواصلة.

ما هي الحلول؟

تنصح الدكتورة هوب باركوكس، الأهل بتعليم أبنائهم ماهية الغذاء، وذلك عن طريق ربطها بالحقائق التي يعرفها الطفل، فمثلًا النبات لن ينمو إلاَّ توافر مع الماء والشمس، وأيضًا جسم الطفل لن ينمو بصحة جيّدة إلاَّ مع توافر الفيتامينات والمواد المغذيّة مع السعّرات الحرارية.

يستجيب المراهقون للرسائل الصحيّة المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، أكثر من الحديث المباشر عن السلطة وفوائدها، لذلك عندما يعلمون عن التلاعب في صناعة الوجبات السريعة والمصنعة، وأثر ذلك على البيئة والصحّة على المدى البعيد، يكونون أكثر اقتناعًا وتقبلًا لتغيير عاداتهم الغذائية.

خطة تناول طعام صحيّ لن يطبقها الأطفال إن لم يجتمعوا مع باقي أفراد الأسرة على طاولة الطعام يوميًا، لأنَّ هذا يشجعهم على تقليد الكبار وممارسة عادات أكل صحيّة، بينما تركهم يأكلون لوحدهم أو خارج المنزل، سيشجعهم على خيارات غير صحيّة.

القواعد الصارمة التي تحكم وقت تناول الطعام، لها دور في تحديد كميّة الأكل التي يتناولها الطفل، ومن أهمها الابتعاد عن متابعة التلفزيون أو اللعب، أو استخدام الهواتف.

التكلم باستمرار عن وزن الطفل الزائد، لن يزيده إلا إحباطًا ورغبة في تناول المزيد من الطعام، والأولى من ذلك، تشجيعه على ممارسة الرياضة، وتغير عاداته الغذائية، أيضًا خلق جو من التنافس بين أفراد الأسرة ومكافأة من يكون أكثر التزامًا خلال أسبوع، هذا كله ستكون نتائجه أكثر إبهارًا من النقد المستمر.

يعتقد الكثير من الأطفال أنهم جائعون عندما يشعرون بالعطش، لذلك قدّم الماء أو قطعة من الفاكهة لطفلك، قبل أن تسارع إلى تقديم وجبة كبيرة له.

معدة الطفل ليست كبيرة، لتتسع لوجبة شخص بالغ، لذلك لا تقدم لأطفالك وجبة بحجم الوجبة التي تتناولها، لأنَّ معدتهم ستتوسع لتستوعب الكم الكبير من الطعام الذي يتدفق عليها.

المشروبات الغازية والعصائر، لها دور كبير جدًا في بدانة الأطفال، استبدلوها بالماء أو الحليب، واتركوا صحنًا من الخضار والفواكه على الطاولة دائمًا، حتى يلجأ لها الطفل عندما يشعر بالجوع.

الطعام الصحي لا يعني حرمان طفلك مما يحب، فالبطاطا المشوية مع قليل من زيت الزيتون هي بديل صحي سيعوض الطفل عن البطاطا المقلية، وخصوصًا إذا قدمت له مزينة وبطريقة تغريه بالأكل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد