منذ أكثر من عام ونصف على الأقل كنت قد كتبت في مذكرة هاتفي النقال عنوان هذا النص، كتبته حين التقيت بطفلٍ في الحادية عشر من عمره في إحدى البقالات الصغيرة، وجهه باهت كلون قميصه الأزرق -المدرسي- يلفظُ أنفاسه بسرعة الريح، قد جاء من بيته البعيد إلى هنا ركضًا كي يعود ركضًا قبل أن يُقرع جرس المدرسة، رأيته يدّس الفول والبازلاء المعلبة في حقيبته التي سيفرغها مما ترزّق به في قاعِ بيتهم ويستبدلها بكتبِه التي لا يعرفُ بما فيها.

حشر صوت اندهاشه -أن أحدًا قد رآه- بإصبع السبابة الأيسر، أعدنا المعلبات، أخدنا الشارع بطوله، راح يخبرني أن والده عاطل عن العمل، بيتهم إسبستي وعددهم عشرة، ثم صارت عيناه البنيتان تذرفان الملح، أخبرني أنه لا يستطيع أن يرى أمه باكية، لذلك يخرج ما بين حين وآخر قاصدًا إحدى الميني ماركات الصغيرة – حيث لا يوجد كاميرات مراقبة- ليعود لها بقوت يومهم فلا تبكي على بُؤسهم وبُؤسها، منوّهًا لي أن لا أحد يعلم أنه يعمل لصًا – حد تعبيره- يعلمون أنه يعمل مع رجل في نقل البضائع فيعطيه بعض الشيء بدلاً من النقود.

كنت كلما راجعت قائمة النصوص في المذكرة توقفت طويلاً عند العنوان علني أستطيع أن أكتب عنه، وعلى الرغم من أني قد كتبت بعده الكثير من النصوص لكنه بقي وحده معلقـًا في رفّ المذكرة دون نص حتى عجت مواقع تواصل الاجتماعي بصورة الطفل «بائع سيد أفندي» وآخرين، فغضب قلبي.

المشهد الثاني

طفل برونزي البشرة، 9أعوام، ينام على البنك الإسمنتي في طريق البحر يوسد رأسه الساخن بفعل «ضربة الشمس» بيده المتعبة التي تحمل براد الشاي لأكثر من ثمانية عشر ساعة يجوب به هنا وهناك، علّه يعود إلى أبيه بقوت يوم الغد وعلبة سجائره.

المشهد الثالث

طفل آخر، 12 عامًا، قسره الفقر إلى الخروج من المدرسة لكي يدّس جسده الضعيف القوي في حاويات القمامة، باحثـًا عن بعض العلب والزجاجات البلاستيكية، يبيعها لمصانع إعادة تدوير النفايات أو بائعي التنظيف براتبٍ يومي قيمته خمسة شواكل – العملة الفلسطينية – مقابل كل خمسين زجاجة.

المشهد الرابع

طفلة ما بين العاشرة وحاديها، ترتدي شالاً أخضر -لون النفس الراضية عند النبقدشية- تضع أمامها بعض الألعاب الصغيرة، عل أحدهم يمر ويشتري لطفله الذي يمسك يده بزمام قلبه، فتُرزق وتعود لأبيها الملقى على ظهره بالقليل من المال.

المشهد السابع، الثامن، العاشر… والألف.

أمام تلك المشاهد البائسة صار كلعبة «يويو» يهبط ويرتفع، يرتفع ويهبط كي يضيق نفسي الكاتب المغربي محمد شكري في سيرته الذاتية «الخبز الحافي»، شكري الذي لم يتعلم القراءة والكتابة حتى سن العشرين من عمره، فكانت حداثته انجرافـًا في عالم البؤس، حيث العنف وحده قوت المبعدين اليومي، هروب من أب يكره أولاده، فقد قتل أحد أبنائه في لحظة غضب، شرود في أزقة مظلمة وخطرة بحثـًا عن الطعام القليل أو عن زاوية لينام فيها خوفـًا من حزام البدلة العسكرية الذي كلما عاد شكري إلى البيت لا يحمل شيئًا من النقود، صرخ الأب وهو يضربه: النوم والأكل في الدار يكلفان المال، صوت شكري يخرم أذني: أكره أبي.

لقد كرم الإسلام الأسرة التي جاءت بها على أساس المودة والسكينة والعمل؛ أي أن يعمل الزوج واجباته تجاه زوجته، وتعمل هي الأخرى واجباتها تجاهه، وأن يعمل كلاهما واجباتهما تجاه أطفالهما، زينة حياتهما، أي أن تقوم الأم برعايتهم، أن تزرع بدواخلهم الحُب، الأمان وتمارسه معهم، أن تُتيح لهم سُبل المعرفة، أن تساعدهم في الوصول إلى قمة الهرم -النجاح- أن تمتلئ بالحكمة لتكن قدوتهم الحسنة، أن ترفه عنهم وتسري عما هم فيه، أن تُنشئهم لأجل الأمة وعزتها لأن يكونوا نهجًا حَسنًا يمشي على هذه الأرض وخلفاء، لذا عليها أن تغرس ذلك في قلوبهم كل ما أمر الله به وما نهى عنه، أن تعدهم الإعداد السليم المتوازن، وكذلك الأب بالإضافة لما تفعله الأم وكثير من الأشياء عليه أن يعمل، يسعى ويحفر الأرض -بعض الأحيان- ليحيا أولاده حياة بعيدة عن الجهل، البؤس واللعنة، ليحيوا كرامًا.

«كلكم راعِ وكلكم مسئول عن رعيته»؛ لذا من استطاع منكم أن يعيل صغاره ولا يجعلهم عرضة لأرصفة الشوارع؛ فلينجب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد