دعنا نضع جانبًا التصريحات البراقة والخطب المشتعلة التي تصدرها جميعة حقوق الإنسان، دعنا ننظر بأعيننا المجردة إلى الصورة، ونترك العدسة، فمن نتحدث عنهم لا ينتمون – في كل الأحوال – إلى جنس البشر. إنهم قاطنو الخلاء، إنهم أطفال الشوارع.

في دولة كولومبيا، يطلقون على تلك الكائنات الصغيرة مسمى «الوجوه القبيحة»، أما في مصر فإنهم المسمون بـ«المحتالين الصغار» أو «بائعي المناديل في الإشارات». ومهما كان ما يطلق عليهم حول العالم، فالأهم هو أنهم يتشاركون ذات الماضي، والحاضر، ذات المصير.

صغيرٌ ذو عشرة أعوام، ملامحه في الخمسين، يقف في الإشارات يسأل المارة بعض المساعدات، تحترق أنفاسه تحت الشمس الحارقة، ويحترق جوفه من الجوع والعطش، ويهترئ جلده من الفقر، يسأل الناس إلحاحًا، ولكن يردد «هذا أفضل مما كنت عليه قبل عام!». يقول «لم يحبني زوج أمي الجديد، لم يتحمل وجودي حوله، يجلدني كما يُجلد الخائن، وتنكر أمي صرخاتي كما ينكرها السيَّاط، ففررت منهم لما خفتهم، وما أنا عليه الآن، فهو أفضل بكثير».

بداية القصة هي الآباء والأمهات الذين يتخلون عن أولادهم، يدفعونهم إلى الشارع بسبب أفعالهم، يلقون بهم إلى مجاهل الغابة في سن مبكرة، لأن هؤلاء الأطفال أصبحوا «عالة» على آبائهم، أو لأن هؤلاء الآباء يرون في «الشحاتة والتسول» باب رزق يُفتح للصغار على مصراعيه، أو ببساطة لأنهم ضجروا أبناءهم، فلديهم الكثير، فليذهبوا إلى الشارع، إنه المعلم الأول والأخير.

الدرس الأول في وسط ازدحام الإشارات، وكثرة السرقة والجرائم، الضحية الأولى طفلٌ يعيش بالشارع، يتجوله كما يتجول المرء منزله، وإذ فجأةً تحتجزه الشرطة قسرًا لأنه الجاني، يتهمه المشاة بأنه الفاعل، هؤلاء الأطفال المشردون، متسخو الملابس والوجوه، يتم القبض عليهم لأسباب ملفقة، ومن ثَمَّ يتعرضون في السجون لكل أنواع التعذيب منها الاغتصاب والعنف الجنسي بكل أشكاله وألوانه، وخاصة الفتيات الذين يتعرضن للاغتصاب بحجة اختبار العذرية. وإذا حالفه الحظ فهَرِب، يتجنبه الناس وينفرون منه، يرونه قنبلة موقوتة، حاملًا للأمراض، وخطرًا على المجتمع.

لم نكتفِ بعد. هل حدثتك عن اعتداء الأطفال على بعضهم البعض تحت الكباري والخرابات المهجورة، هل حدثتك عن طقوسه، هل حدثتك عن طقوس استقبال الفتيات الجدد في مجتمع الشارع؟ دعنا نرَ. في الشارع، البقاء للأقوى، والقيادة للأقدم، تحت الكباري وفي الخرابات، في سكون الليل أو وضح النهار، تنشأ العلاقات غير الشرعية بين الأطفال، وتنشب الصراعات فيما بينهم من له بتلك الضحية – سواء أكان طفلًا أو طفلة – ويأكل القوي الضعيف، ينتهك حرمة آدميته، ويُدمي قلبه.

«لا أخفيك سرًا، إنها المرة الأولى هي الأصعب، ثم ينضم الجديد إلى القافلة، ويعتاد الوحشية من القوي، بل ويساعده في تطبيق الطقوس على كل من هو جديد» تلك كلمات أحد الأطفال أصحاب الأعوام القليلة والتجارب الكثيرة. أما في مجتمع فتيات الشارع، فالأمر ليس ببعيد عما ألفناه سابقًا، إذا انضمت فتاة جديدة إلى القافلة، فإنه من الطقوس التي يقيمها عليها الفتيات القدامى، هو تحويلها – بالإكراه – إلى عاهرة مثلهن تمامًا، تفعل ما يفعلن، لا تتميز عليهن في شيء، حتى لو كان عذريتها. لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، عند انتهاء الحفل، يجب تتويج العروس بما يليق بها ويميزها عن غيرها، فتتلقى الفتاة المغتصَبة ندبات في وجهها وأسفل عينيها، وهذا بمثابة الوسم على أن هذه الفتاة لم تعد عذراء، ثم ينتهي الحفل.

في مجتمع البقاء للأقوى، ينضم الكثير من هؤلاء الأطفال إلى عصابات الشوارع التي تستخدمهم في أعمالٍ شتى، كالتسول، أو النشل، أو السرقة، أو غيرها، وإذا رفض أحد هؤلاء الأطفال تنفيذ الأوامر، فإن الثمن يكون غاليًا قد يدفعه بروحه قبل عرقه.

تظل الأسرة عاملًا رئيسيًا في تحول البراءة إلى وحشية، وتساعدها الحكومة في ذلك. ولأن أغلب هؤلاء الاطفال لا يمتلكون شهادات ميلادية أو بطاقات شخصية تثبت حقهم المدني، ولأنهم لا يمتلكون الالتحاق بالمدارس للتعلم، ولا يمتلكون حق الرعاية الطبية، فإنهم ما زالوا مهمشين على جوانب قضايا المجتمع. فإنشاء العديد من الجمعيات التي تساعد في إعادة تأهيل أطفال الشوارع، قد يكون مسكنًا موضعيًا مؤقتًا للمشكلة، الحل ليس في إعادة تأهيل أطفال الشوارع فقط، وإنما الحل في تأهيل الآباء حتى لا ينجبوا أطفال شوارع آخرين، الحل ليس في مراودة التفشي، وإنما الحل في استئصاله.

لن يُشفى الكثير من هؤلاء الأطفال مما ألمَّ بهم، ولكن سيعتادون الحياة بجراحهم. «إن كل ما تفعلونه هو إعادة لصق قطع الزجاج المنكسرة مرة أخرى مع بعضها البعض، ولذلك عندما تنظر إلى المرآة، يمكنك أن ترى نفسك بوضوح، ولكن ما زالت القطع ملصقة، وستظل هكذا» تلك كانت كلمات إحداهن، وما زالت تتصدع في ذهني، فسلامًا طيبًا على الصغار أصحاب التجارب، ذوي الوجوه الجميلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد