من أهم العناصر التي تؤثر في تربية الطفل ونشأته هو المجتمع، وليس المراد ذلك المجتمع الفسيح القابع خارج المنزل، وإنما المقصود هو المجتمع الصغير الذي يتلخص في البيت والأسرة، ذلك المجتمع الذي يتماشى مع حجم الطفل وقدرته على الاستيعاب، ذلك لأن احتكاكه الأكثر يكون معهم، وهم بدورهم أساتذته ومعلموه الأُول. وبم أن الطفل هو النبتة التي تحتاج إلى الأرض الخصبة والجو المناسب لتنمو وتزهر وتصبح شجرة ينتفع بها، فيجب أن يتوفر له الراعي الحكيم الذي لا يكذبه في جواب، ولا يحد من تعليمه أو يحجر على طريقة فكره.

ولا ينفك الطفل يبحث عن مصادر أخرى للتعلم بعد سن الرشد، لكن يبقى البيت هو المدرسة الأهم، خاصة وإن كان مصدرًا للأمان والحب، فيعبر فيه الطفل عن نفسه ويخرج مكنون صدره دون خوف أو تردد أو هلع أو كتمان.

والحمد لله أن خلق في نفس كل طفل حس التعلم، فالعلم المكتسب هو أساس المعارف، والحث عليه واجب؛ لذلك فالوالدان هما منبع علم الطفل ومصدر ثقته، وهما المسيطران بأكبر صورة في تنشيط ذكائه وحثه على العلم أو الحد منه.

ولهذا نجد أن فضول الأطفال يقتصر عند البعض على الأشياء المادية كالألعاب والأقوال والجزء المرئي من البرامج أو الأفلام. أما البعض الآخر فيتعدى فضولهم تلك المرحلة للسؤال عن بعض الأمور الغيبية مثل يوم القيامة، وصفات الخالق عز وجل، وهنا تكمن بعض الأسئلة التي يرد بعضهم عليها بأنه لا شأن لك بمعرفة ذلك وهذا خطأ فادح، أو يعتقد البعض بأنها أسئلة بديهية بسيطة، لكنها ليست بالبسيطة على الإطلاق، حتى وإن بدا ذلك.

من هذه الأسئلة التي قد يسألها الطفل، والتي قد نلت شرف سماعها بنفسي على ألسنة بعض الأطفال الذين لم يتجاوزوا السادسة بعد.

١- لما سمع الطفل قوله تعالى «إن الله سميع بصير»، أردف سائلًا هل لله تعالى آذنان يسمع بهما؟ وعينان يرى بهما؟

ويكون الجواب كما جاء عن الشيخ سعيد الكملي: أن الإجابة عن سؤال صفة من صفاته تعالى، فكل صفة نسبت له من نفسه واجبة، وإن سألنا مثلًا عن قوله تعالى «الرحمن على العرش استوى» فالاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وعليه تكون الإجابة عن كامل الصفات التي نسبها الله تعالى إلى نفسه، وإن سألنا عنها فيجب أن نتذكر أنه كيف للمجيب أن يجيب عن وصف صفة من صفاته تعالى وهو يجهل كيفيته؟

منها أيضًا: لماذا ابتدأ الله تعالى القرآن الكريم بسورة البقرة بعد الفاتحة ولم يبدأها بتعريف القائل مثلًا بسورة الرحمن؟

ذلك لأن آية الربوبية هي الطعام والشراب، فمن استطاع تقسيم الأرزاق وضمان الطعام والشراب لكل مخلوق وجبت عبادته والاعتراف له بالربوبية ولا يستطع فعل ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.

ففتح الله تعالى كتابه بأصل الطعام وكأنه يقول للإنسان هذا كتاب من يطعمك، فالآن أنصت لي وتعلم دون قلق، فقد أمنت لك طعامك وشرابك وأخرت عرشي وكرسي. وربما يتضح ذلك جليًّا لأن البقرة لحمها طعام ولبنها شراب وجلدها كساء ومسكن، كما أنها هي أداة حراثة الأرض. وهذا هو كل ما يحتاجه الإنسان ليحيا وكل ما زاد على ذلك فهو زينة.

ودليلًا على أن ما يهم الإنسان هو الطعام والشراب:

فقد قال الله تعالى لآدم عليه السلام: «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ (118)» طه، فطمأنه على طعامه أولًا.

وجاء على لسان نوح عليه السلام: «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)» [ نوح]

ولما طلب قوم عيسى منه آية لتصديقه «إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)» المائدة

وإخبارًا عن فرعون قال:«فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وكنوز ومقام كريم». الشعراء

وفي سورة قريش قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾

ولأن الإنسان إن طالبته بالتكليف أولًا نفر منك، لكن إن عرضت له الرغبة أتى واستمع وتعلم واتبع، فالعطاء أصل الطاعة، كما جاء في قوله تعالى تعريفًا بالله على لسان موسى، عليه السلام، لما سأله فرعون، ربنا الذي أعطى.

فالبقر من الأنعام التي تتلخص في الإبل والغنم والبقر، لكن الإبل لا تحرث وهذا صحيح بوجودها في الأراضي الصحراوية، والغنم لا تركب ولا تحرث.

أما البقرة فتحرث ويمكن ركوبها في بعض الأحيان، وانتفاء الركوب لا يضر؛ لأن الإنسان يمكنه السير بنفسه، والأهم هو أنها تحرث فهي تتم دورة الطعام للإنسان من أنعام وحرث. فافتتح الله تعالى الكتاب بحاجتنا إليه، وليس بالتكليف الذي يطلب منا أو التعريف بذاته تعالى ليطمئن الإنسان على حياته فيحب الله بصدق ويعبده عن علم ورضا دون قلق.

ومن هذه الأسئلة أيضًا سؤال أحد الأطفال. كيف تم تحديد اليوم بـ24 ساعة؟

هذا السؤال وإن بدا بسيطًا إلا أنه يعد سؤالًا فلسفيًّا من الطراز الأول، فهو يصحبنا بدوره للسؤال بأنه بماذا الساعة 60 دقيقة وليست أكثر أو أقل؟

الأمر بدأ منذ وجود البابليين والمصريين القدماء لما لاحظوا تكرار شيء ما بصورة دورية، وهو طلوع الشمس وغيابها. وهو ما ينتج منه الليل والنهار. فمنذ طلوعها وحتى الطلوع الآخر يسمى يوم، ثم قسموا اليوم بعد ذلك لفترات أقل باستخدام المزولة، والمزولة هي اختراع مصري قديم عبارة عن دائرة مقسمة إلى 12 جزء متساوٍ. وفي منتصفها بناء مرتفع يدور ظله على الـ12 جزء طوال اليوم ومن خلال الظل تجري معرفة الوقت وتحديده.

الأجزاء الاثنا عشر تمثل فترات النهار ومثلها 12 جزءًا هي فترات الليل، فصار اليوم 24 ساعة.

لكن كيف صارت الدقيقة 60 دقيقة؟

فكرة الرقم 60 تعود للحضارة البابلية، لأنه أكثر الأرقام التي كان يجري استخدامها في كل شيء، ويرجع ذلك لإيمانهم بأنه الرقم الذي يمكن تقسيمه على أول ستة أرقام، كما يقبل القسمة على 10 و12 و15 و20 و30.

كما استخدمه الإغريق لتقسيم الدائرة إلى 60 جزءًا. ثم قسم كل جزء إلى 60 جزءًا أصغر. ومن هنا ولدت فكرة الثانية والدقيقة. ثم قسمت الساعة بعد ذلك إلى جزئين وثلاث وأربع إلى 12 جزءًا مع فكرة تثبيت كل جزء ليحتوي على 60 جزءًا. وقد حدث ذلك في نهاية القرن السادس عشر، وقبل ذلك كان يجري تحديد الوقت من خلال ظل الشمس.

فتقسيم الوقت إلى أجزاء أصغر يعني تقدير الوقت أكثر وأكثر، فقسمنا الثانية إلى ألف جزء وأسميناه ملي ثانية، لأن الثانية لا يمكنها قياس سرعة رمشة العين، ثم قسمنا الثانية لبليون جزء وأسميناه نانو ثانية، بغرض حساب سرعة الكمبيوتر، فالكمبيوتر يحتاج إلى 3 نانو ثانية تقريبًا والعين ترمش مرة كل 100 ملي ثانية.

ثم يطرح السؤال نفسه هل لا بد أن يكن اليوم 24 ساعة؟

الإجابة: لا، فهذا شيء اعتدناه لا أكثر، ويمكن لليوم أن يصبح 48 ساعة إن كانت الساعة 30 دقيقة أو يمكن أن نعتبره 96 ساعة إن كانت الساعة 15 دقيقة وهكذا. كما يمكن تغيير وحدة القياس بدلًا من ساعة لتصبح مثلاً مانو. فنقول اليوم 48 مانو بدل 24 ساعة. فلا توجد ثوابت في هذا الأمر سوى ما تعارفنا عليه نحن البشر.

أخيرًا فأسئلة الأطفال وإن كانت تبدو غيبية أو سهلة، فإنه لا يمكن التهرب منها بأي حال من الأحوال، فإن كان مجال تعلم الطفل مهمًا في الماضي، فإنه واجب حاليًا في ظل هذا التطور التكنولوجي والانفجار الرقمي الهائل الذي جرى من خلاله غزو العقل البشري، فتشتت العقول وغاب استخدام الأذهان. ولأنه لا شك أن التهرب من هذه الأسئلة وعدم الإجابة عنها يؤثر في الطفل سلبًا ويفقده الثقة فيمن حوله ولا أحد يريد ذلك.

دمتم في نعيم الله..

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد