بسبب الظروف التي شهدها العالم، بدءًا من السنة الفارطة، جراء انتشار الوباء «كوفيد 19» وفرض إجراءات الحجر المنزلي وتوقف الأنشطة بمختلف أشكالها، بكل أنحاء العالم، عرف الناس نوعا من الملل وغيابا للمتعة، الشيء الذي جعلهم ينكبون على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي طيلة الوقت، ومن هنا عرف تطبيق «tik tok» الصيني شهرة وشعبية كبيرة بين صفوف الناس، لما فيه من تنوع واختلاف في المحتوى، ومن تجديد عكس باقي التطبيقات والبرامج، فتقليد الأصوات والحركات والرقص على أنغام موسيقى معينة أصبح عادة ومتعة وتسلية لا يمكن استئصالها لدى من لا يملكون ما يملأ فراغ يومهم ويسد ثغرات مللهم.

لكن التطبيق لعب دور فيروس سام، وأصاب شريحة كبيرة من الأطفال، عبر أرجاء العالم بعد توقف نظام التعليم، الذين يقلدون ما يرونه دون وعي وإدراك، فأصبح التنمر والنبذ أشياء عادية بين الأطفال، ولعل غياب رقابة الوالدين لعبت دورًا هامًا في انجراف الأطفال إلى محتويات ليس عليهم أن يروها، مثل بعض المشاهد العنيفة أو الفادحة أو المخلة للحياء التي تتسرب لعقل الطفل فتصبح شيئا عاديا بالنسبة إليه، ويصبح في نظره مانعها ومن يدعوه للابتعاد عنها متخلف ولا يفهم أفكار العصر ولا يسير وفق كوكبته، وبهذا سلبت سلامة وبراءة الطفل دون أن يحس.

ولعل هذه الحرية المطلقة التي يمنحها الآباء لأبنائهم تحت شعار «أشبع فضولك» قد تكون الجزء الهدام في شخصية الطفل وتعلمه أشياء ما كان عليه أن يعرفها في سنه، كما لا يجب أن يغيب عن فكر الآباء أن هذه المنصة تسمح لكل روادها بعث الرسائل، لهذا حتى وإن سُمِح للطفل باستخدام هذه المنصة فعلى الوالد أن يرجع الحساب خاصا بدل العام، ويغير الإعدادات حيث لا يسمح للطفل باستقبال الرسائل، التي ترد من أشخاص بالغين، معظمهم حساب متخف، وتحمل من الكراهية والأفكار ما يضر عقل الطفل، وأن يختار عمر الطفل ولا يتهاون عن مراقبته ومراقبة المحتوى الذي يتعلمه بين الفينة والأخرى.

صحيح أن من واجب الأسرة السماح للطفل بتكوين مساحة خاصة وشخصية، لكن في نظري أن الإنترنت طريق خاطئ لذلك، لأن المساحة الشخصية على الـ«سوشيال ميديا» تتحول إلى مساحة مليئة بالغرباء بعيدا عن أعين الآباء فحسب، فيتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ويتم غسيل أدمغتهم بالمحتوى التافه والمخل الذي يقف عائقا أمام ذكائه وعطاء عقله، خصوصا وأن عقولهم صفحات بيضاء لا تسعى إلا للتجرية والبحث وتصديق كل ما يتم استقباله عن طريق الإنترنت، خصوصا بعد علمهم أنه بوابة تنفتح نحو العالم، كما قد يتعرض الطفل للتنمر الأمر الذي ينعكس سلبا على نفسية الطفل وقد يؤدي إلى شرخ في شخصيته على المدى الطويل.

لهذا على الوالدين مراقبة المحتوى الذي يرتاده أطفالهم دون سن 15 سنة بحرص وبشكل دائم، وأن يعلموهم أن الإنترنت بوابة نحو البحث والتسلية لا نحو الخراب والتفاهة، وأن ممارسة القراءة والكتابة والرياضة والرسم والمسرح ومختلف الأنشطة الأخرى على أرض الواقع… وكذلك الجلوس قرب الأسرة والحديث الدائم وخلق روابط صداقه مع الوالدين قد يعود بالنفع الوفير على الطفل عوض هذه التطبيقات الهدامة، وذلك بهدف توعية الطفل وبناء شخصية قويمة وقوية وعقل متوازن ومثقف في المستقبل، فهم نساء ورجال الغد وبهم سيستقيم المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد