لم تدع الحرب في الأنبار شيئا إلا ودمرته، وتحديدا في الفلوجة والرمادي كبرى مدن الأنبار، فهي لم تدع شيئًا إلا وخربته، ولا إنسانا إلا وأرعبته وأصابته! ولم يسلم من أحداثها كبير أو صغير!

صديقي، قص لي قصة مؤلمة بعبراتٍ تحكي فصول معاناة كثيرٍ من أهالي المدينتين فيقول؛ في الحي الذي أسكن فيه، وفي ذات ليلة اشتدت فيها الأزمة عسكريا والقصف صار يطال كل شيء، وكثرت حينها مآسي الحي، وهو ما اضطرنا للهروب جميعا ولم ننتبه إلى من نعول! فلهذه الدرجة من الرعب وصلنا! فحدث أن كانت هناك إحدى العوائل الكبيرة بعدد أفرادها أن هربوا جميعا وبسيارات متفرقة، ولكن! نسوا ولشدة الاشتباكات والعنف الدائر في مناطقهم طفلة بعمر الزهور! ففي الوقت الذي كانوا يظنون أنها مع هذه السيارة أو تلك! كانت وحيدة منسية في بيت مرعب!

وقبل وصول العائلة لمنطقة أكثر أمنا كانوا قد توجهوا إليها قبيل أن يخيم الليل! وكلٌ منهم يظن أن تلك الطفلة معهم ولكن؛ كان من في هذه السيارة يظنها في تلك! ومن في تلك يظنها في هذه! فحدث أن كانت وحيدة منسية بداخل بيت موحش!

في وسط حي فيه القصف يطال كل شيء وتنوعت أنواع الرعب للكبار فهربوا منه فكيف بحال الصغار؟!

وصلت العائلة إلى مكان كانوا قاصديه! تفقدوا الطفلة لحظة وصولهم واجتماعهم الأول! بحثوا، فتشوا، ولم يعثروا عليها! أين هي؟ ألم تكن معكم؟ هل يعقل أن نسيناها هناك وحيدة؟! أسئلة وأخرى كثيرة كانت مطروحة من قِبلهم للوهلة الأولى من الصدمة! ولكن لم تنفع في شيء!

ولم تغير من واقع الحال سوى الحيرة والألم! ففي وسط ليل مظلم! لا هم يستطيعون العودة لها وإنقاذها مما هي فيه خشية الأحداث والاشتباكات المتواصلة في ليل بهيم مظلم تكون الحركة فيه ضربا من ضروب الخيال ونوعا من أنواع المخاطرة والتهور!

ولا هي بعمرها البريء وبقلبها الصغير تستطيع تحمل ما يجري! يحدث ذلك في وقت يخلوا الحي من سكانه وأهاليه، فلا اتصال يمكن أن يطمئنهم عن حالها! ولا شخص قريب منها يكلف برعايتها ليلة واحدة!

فحدث أن تركت الطفلة أو “نسيت” وبقيت لوحدها تقاسي وتعاني ليل موحشا بقصف واشتباكات عسكرية عنيفة! وما أن بزغ الفجر إلا وتحرك من أهلها من تحرك قاصدا البيت الذي هربوا منه! ظانا منه أن الطفلة بخير وأنه سيعود بها ومعها إلى أهله! ولكن وبعد أن وصل وجد الطفلة قد فارقت الحياة “خوفا” ورعبا، فكان قد تورم وجهها، وغارت عينيها لشدة بكائها وصراخها، دون مجيب لها!

قد ماتت وخلفت قصة مؤلمة تحكي فصول معاناة الكثير من أهالي تلك المدينتين ..!

قصص إنسانية كثيرة تحدث كل يوم لأهالٍ تقطعت بهم السبل فمنهم من نزح عن مدينته خشية العمليات العسكرية والقصف المستمر، ومنهم من بقي يعاني من ويلات الحرب ما يعانيه! كل ذلك وأكثر يحدث حصريا في الأنبار غرب العراق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد