مشهد عرضي

ينجرفون نحوي بوجوهٍ تتوهج بضوءٍ خافت تشكل جدارًا عديم الجدوي لا يمكن اختراقه. لكن هناك الكثير من الأسلحة التي تتمثل في الكلمات وتصطدم ببعضها البعض لتترنح بين جدران تلك الممرات الضيقة؛ لأنها تبدو غير متزنه بسرعةٍ معينه. أحاول قصارى جهدي لدفع ذلك الذي لا يتزحزح بكل قوة، لكنهم يطأونني بأعدادهم الهائلة، فأستسلم لوجودهم على أملٍ أن أفيق من هذا الإرهاب بركلات أحدهم، لكنني وبعد كل تلك الركلات أكتشف وللأسف أن هذا ليس بكابوس، ولكنه واقع أُمثل أنا بنفسي جزء من كينونته. لقد كان هذا يومي الأول في عربة المترو الصيني.

إن أحد الأشياء التي لاحظتها فور وصولي إلى الصين إن لم تكن أولها، هي كم الإدمان الموجود من الصينيين على هواتفهم الذكية. ففور هبوطي من الطائرة كادت إحدى عُصي السيلفي أن تطيح بوجهي. وقد كان ذلك من زوجين صينيين يحاولان التقاط صورة مع الطائرة التي ترجلنا منها للتو. منذ تلك اللحظة وأنا أحاول جاهدًا، إضافة المزيد من الحذر والاهتمام للمحيط الذي أتواجد فيه، وهو ما لا يفعله الكثيرون هنا في الصين.

 

وفقًا للدراسة التي أجرتها شركة الهواتف الخلوية الألمانية. فإن الصينيين يقضون في المتوسط ٣ ساعات يوميًا على هواتفهم الذكية، وهو ما يضعهم في المرتبة الثانية من استطلاع أكثر مستخدمي الهواتف الذكية في العالم. بعد البرازيليين الذين يقضون خمس ساعات يوميًا في المتوسط على هواتفهم.

وقد أدى ذلك الإستخدام المضني للهواتف الذكية في الصين إلى إطلاق شعار جديد يسمى (قبائل الرؤوس المَحنية) والذي يشير إلى أولئك الذين ينظرون إلى هواتفهم طيلة الوقت برأسٍ يتدلى للأسفل. والتي أدت بدورها إلى إطلاق بعض التحذيرات المسموعة تجاه (قبائل الرؤوس المحنية) في محطات مترو الأنفاق والقطارات.

أما السؤال الأهم الآن فهو: ما السبب الحقيقي الذي جعل الشعب الصيني يدمن استخدام الهواتف الذكية؟ لعل في رأيي أن السبب الرئيس هو: كيف أصبحت الحياة اليومية مرتبطة بالهواتف الذكية بشكل ملفت للانتباه. ولا ننكر أن هذا هو الحال أيضًا في العديد من الدول الغربية، لكن الصين قد أطلقت العنان لهذا الأمر بلا رقيبٍ أو رادع.

إن ارتباط الهواتف الذكية في الصين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكل نواحي الحياة. كالأعمال التجارية، التسوق، طلب سيارات الأجرة، التواصل، طلبات الطعام، مشاهدة الأفلام، السفر، الأبحاث، الكتب، المعاملات البنكية، المواعدة، اللعب، الإطلاع وكل شيئ آخر. فهاتفك وبلا شك هو أثمن ما تملك في الصين.

السبب الثاني هو توافر الإنترنت بصورة هائلة وبكل مكان تقريبًا. حتى أن شركات الهواتف توفره للمستخدمين بأسعارٍ زهيدة. ولعل من خلال مخالطتك للصينين أو تواجدك في المجتمع الصيني ستلاحظ أن أحد أهم الأسباب المؤدية لذلك هو عدم توافر أو تنوع الأنشطة الاجتماعية الأخرى خارج هذا المجال الافتراضي. لكن الأنشطة الاجتماعية تتوفر بشكل كبير وتتنوع في المجتمعات الأوروبية. إلا أنها تقتصر في الصين على بعض الأنشطة التي تناسب الجميع نظرًا لاختلاف العادات. فربما لديهم كرة الريشة والغناء وكرة السلة والذهاب للسينما، لكن هل تود فعل تلك الأنشطة في كل مرة تخرج فيها؟

 

لكننا لا يمكن أن ننكر ما وصلت إليه الصين بفضل تلك التكنولوجيا الهائلة التي سهلت التواصل واقتصرت المسافات، والتي ساهمت بشكل هائل في تطور الصين بسرعة كبيرة ورفعت عشرات الملايين من الناس من براثن الفقر في فترة وجيزة جدًا من الزمن من خلال ربطهم بالعالم الواقعي في كل جانب من جوانب الحياة. ذلك الأمر الذي يستحق كل التقدير والاحترام، من ناحيةٍ أخرى ربما أدى هذا إلى بعض التهديدات التكنولوجية التي كانوا يفتقرون لها في السابق، لكنها ستتقلص وتختفي مع المزاولة وكثرة الاستخدام.

 

بعض الملاحظات الجانبية أثناء تناول الطعام مع أصدقائك الصينيين.

  1. يجب أن تنتظر حتى ينتهي أصدقاؤك الصينيون من تصوير الطعام قبل الشروع في الأكل.
  2. لا تحاول أن تفسد الصورة بظلك أو انعكاس صورتك.
  3. ساعدهم في توفير الإضاءة المناسبة وترتيب الطعام للحصول على صورة جيدة.
  4. بعد التقاط الصور سوف يبدأ بعض الحاضرين في بالتصفيق عدة مرات تعبيرًا عن الحماسة بالبدء في الأكل. يمكنك أن تفعل ذلك أيضًا إن أحببت، لكن أحدًا لن يطلب منك ذلك إن لم تفعل.
  5. من المفضل أن تبقى صامتًا ولا تزعج أصدقاءك عند الأكل؛ لأنهم وخلال ذلك الوقت سوف يقومون بنشر الصور على (ويتشات). فتأكد من عدم إزعاجهم لأنهم سيقضون الوقت المتبقى من العشاء على هواتفهم الذكية انتظارًا للرد على التعليقات.

ما الذي يفعله الصينيون على هواتفهم الذكية كل هذا الوقت؟

تظهر البيانات الإحصائية الأخيرة أن الصينيين يقضون نصف أوقاتهم على الهواتف الذكية على برنامج (ويتشات) ما بين اللعب والدردشة والنصف الآخر على (ويبوا) و(تاوباو) والتقاط بعض الصور.

لقد بدأ الصينيون في الآونة الأخيرة ملاحظة تلك المشكلة والعمل على الحد منها؛ فظهرت بعض العيادات الاستشارية في بعض أنحاء الصين تهدف إلى الحد من استخدام الهواتف الذكية. حتى أن الحكومات قد بدأت في إصدار إعلانات وقائية تجاه هذا الأمر.
من المؤكد الآن أن الصينيين قد أصبحوا يدركون تلك المشكلة، ويعملون على السيطرة عليها بطرق شتى وأشكال متعددة، منها تفعيل بعض المطاعم خاصية (ممنوع استخدام الهواتف في المطاعم)؛ مما يساعد الزبائن على وضع هواتفهم جانبًا والاستمتاع بأوقاتهم مع العائلة أو الأصدقاء.

بدأ بعض أولياء الأمور يحاولون جاهدين تجنب استخدام الهواتف أمام أبنائهم؛ حتى لا ينقلوا إليهم تلك العادة البائسة. بعض الشركات لا تسمح للعاملين على الإطلاق باستخدام هواتفهم الذكية أثناء العمل.

وأخيرًا وليس آخرًا. فما الهدف المرجو حتى من الشكوى! فالعالم كله يسير نحو هذا الاتجاه. فما المانع إذًا من أن تكون الصين هي الرائدة في هذه الظاهرة؟ بالإضافة إلى أنه إن لم تتمكن من التغلب على الظاهرة، فكن الجزء الأفضل منها، وحاول قضاء وقتك على الهاتف فيما يفيد ولن تندم. فبعض الناس يرون أنه من الممتع قضاء الوقت على الويتشات ومشاهدة صور الأصدقاء وكتابة بعض التعليقات، الأمر الذي يمكنك من خلاله التعرف على الأصدقاء بشكلٍ أفضل يساهم في سد العجز الاجتماعي الذي يتواجد بكثرة لدي العديد من الصينيين.

أما الآن وفي رآيي الشخصي، فالسؤال يكمن في أنه وإن كان الصينيون يقضون كل هذا الوقت على هواتفهم، بالرغم من عدم توافر الكثير من البرامج في الصين، مثل (فيسبوك، ماسنجر، تويتر، سنابشات، إنستجرام) وغيرها، فما الذي سيفعله الصينيون إن توفرت لديهم كل تلك البرامج؟

دُمتُم في نِعيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد