في منتصف القرن التاسع عشر عام 1839 اشتعلت حرب الأفيون بين الصين وبريطانيا. حرب وصفت بأقذر الحروب وحشية؛ إذ إنها افتقدت جميع القيم الدينية والبشرية، وكان الهدف منها هو خلق طلب لسلعة جديدة داخل الصين، بعد أن رفضت الصين ان تستورد أي سلعة من بريطانيا تطبيقًل للاكتفاء الذاتي، وبالفعل كلفت بريطانيا شركة الهند الشرقية البريطانية لزراعة الأفيون في الهند وتصديرة إلى الصين.

إلا أنه في عام 1829 أصدر أول مرسوم بتحريم استيراد المخدرات في الصين، لكن الشركة لم تلتفت، واستمرت في تهريب الأفيون داخل الصين. لم تكن الحكومة الصينية تستطيع حرق ما تقبض عليه من الأفيون بعد أن كان الصينيون يبيعون كل ما يملكون للحصول عليه، وكان الاقتصاد الصيني قد أشرف على الانهيار؛ فأعلنت بريطانيا الحرب على الصين، استمرت لسنوات، انتصرت بريطانيا، وكان من غنائم الحرب البريطانية طبقًا لاتفاقية 1858 فتح أبواب التجارة أمام الأفيون، حرية الملاحة، والسماح بدخول المسيحية في أرجاء الصين، وأن تكون هونج كونج مدينة بريطانية بعقد امتياز 99 عامًا، عام 1878 وصل عدد المدمنين في الصين إلى 12 مليون مدمن، هكذا كانت التجارة البارحة، فماذا عن اليوم؟!

اليوم الصين في حرب مع الغرب من جديد، حرب من يحكم العالم، حرب الهيمنة على الموارد والتجارة العالمية، وكما كانت أحلام الإسكندر الأكبر بعد أن أنشأ 71 مدينة باسمه في حملته العسكرية، أن تكون له السيطرة بخلق تجارة بينهم، هكذا أيضًا أحلام المارد الصيني اليوم، بعد إحياء طريق الحرير، وبعد أن وقعت عليه 71 دولة، والذي يوصف بأضخم مشروع في تاريخ البشر، وبلغت استثماراتة حتى اليوم 4.8 تريليون دولار. طرق وقطارات من شرق الصين إلى لندن، خطوط أنابيب غاز طبيعي من بحر قزوين إلى الصين وخطوط ملاحية بحرية تربط الصين بأفريقيا وأوروبا. البارحة كانت الطرق تؤدي إلى روما واليوم كل الطرق تؤدي إلى الصين.

اليوم الصين أكبر مصنع في العالم، تصدر بقيمة أكثر من 2.5 تريليون دولار، دائنة إلى أمريكا بـ 1.11 تريليون دولار «أذون خزانة وسندات». ولكن لماذا أفريقيا؟ القارة البائسة الفقيرة التي يمزقها الجوع والمرض والنزاعات كل يوم.

حتى الآن تقدر القروض الممنوحة من الصين لأفريقيا 132 بليون دولار من 2006 إلى 2017. فمن قطارات فائقة السرعة من نيروبي إلى مومباسا في كينيا، ومثلها في نيجيريا، ومحطات هايدروباور في ساحل العاج، والكباري في موزمبيق، ومحطات طاقة في النيل الأبيض في أوغندا، ورصيف حاويات جديد في تيما غانمة، إلى أضخم محطة طاقة متجدده بالرياح في إثيوبيا، اليوم أكثر من 10 آلاف شركة صينية في أفريقيا وخطة مستقبلية بمنح أفريقيا 60 بليون دولار جديدة في استثمارات أخرى بمزيد من القروض.

ومن ناحية أخرى أفريقيا هي المكان الوحيد في العالم الذي يزيد فيها معدلات الفقر، بدلًا من أن يقل، حسب آخر إحصائيات البنك الدولي أكثر من 413 مليون شخص في أفريقيا يعيشون بأقل من 1.9 دولار يوميًّا، وهذا يشكل أكثر من نصف النسب العالمية.

والسؤال الآن كيف ستسدد أفريقيا هذه الديون؟!

غير أن أفريقيا في الواقع ليست فقيرة؛ فالأموال التي تتدفق من خارج القارة الأفريقية أكثر بعشرة أضعاف من المساعدات التي تحصل عليها. أفريقيا تمثل 20% من كوكب الأرض – ثلاثة أضعاف أوروبا- يسكن فيها 1.2 بليون شخص – 16% من الكثافه السكانية في العالم-، والكثافه السكانية في القارة في تزايد مستمر ومن المتوقع في نهاية هذا القرن أن تشكل أفريقيا 39% من سكان العالم؛ مما يجعل أفريقيا سوقًا استهلاكيًّا ضخمًا.

ما تزال القارة بكرًا تحمل في صدرها 30% من المعادن الموجودة على هذا الكوكب، فبعد أكثر من 500 سنة من الاستيلاء على المعادن في أفريقيا من الغرب بواسطة الاحتلال العسكري أو الشركات متعددة الجنسيات، ما زالت أفريقيا هي القارة البكر.

تحتوي على 90% من المعادن البلاتينية في العالم و50% من الذهب والماس على هذا الكوكب، و33% من اليورانيوم. فمثلًا تمتلك شركة جلينكور السويسريه معظم مناجم النحاس في زامبيا – التي تعد من أكثر 20 دولة فقرًا في العالم- وصل حجم الأعمال في الشركة إلى 180بليون دولار، والذي يشكل ثمانية أضعاف الناتج القومي الإجمالي لزامبيا نفسها.

إلا أن شركة جلنكور لا تصدر هذه المعادن لأوروبا، بل إلى الصين!

فالصين تعتمد اعتمادًا كبيرًا جدًّا على المعادن من أفريقيا؛ لكي تكون أقوى منتج ومصنع في العالم، تصدر جنوب السودان 95% من البترول الخام الذي تملكه للصين، أنجولا 61%، أريتريا تصدر 58% من الزنك والنحاس للصين، زامبيا 52% من المعادن تذهب إلى الصين، الكونغو الديمقراطية 45%، غينيا 44%، زيمبابوي 44%، الجابون 42%، جمهورية أفريقيا الوسطى 41%، جمهورية الكونغو 40%، سيراليون 36%.

بدون أفريقيا الصين في خطر، وبم أن مصدر هذه المعادن والموارد الطبيعية ليست تحت سيطرة الصين؛ فأحلام المارد الصيني ممكن أن تتحطم في أي وقت، وليس هناك إلا أن تسيطر الصين على هذه الموارد، كيف؟ بالديون!

ومنذ عام 2006 انهالت الديون الصينية على أفريقيا لإنشاء استثمارات والعرض مستمر. ومن وقت لآخر تداعب الصين الزعماء الأفارقة بندوات ومؤتمرات تعاون وأعطت 50 ألف منحة تعليمية في الصين لأفريقيا، معظمهم في الصحافة لتأمين المزيد من مسح الجوخ، ومن ناحية أخرى أنشأت أول قاعدة عسكرية صينية خارج أرضها في جيبوتي، الدولة نفسها التي توجد بداخلها قواعد عسكرية لأمريكا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، يبدو أن هناك أسد جديد جائع الآن في غابات أفريقيا.

الآن تشكل فائدة الديون في جيبوتي للصين 50% من إجمالي الناتج المحلي وفي القريب العاجل من المتوقع أن تستحوذ الصين على ميناء في جيبوتي، بعد أن تصل فائدة الدين إلى 80%، وكما فعلت من قبل في ميناء مومباسا في كينيا، الذي استولت عليه الصين أيضًا.

لم ولن تستفيد أفريقيا من أخطاء السابقين؛ فالصين استولت على ميناء هيمباتوتة في سريلانكا بعقد امتياز 99 عامًا، وأيضًا على المنطقة اللوجستية جوادار في باكستان بالسيناريو نفسه.

على صعيد آخر، رفض مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا الحالي، الذي جاء لتصحيح الأوضاع والفساد، قروضًا بـ20 بليون دولار استثمارات صينية كانت قد وافقت عليها الحكومة السابقة.

كيف ستسدد أفريقيا الديون؟ لن تسدد أفريقيا الديون!

الصين أعلنت حرب أفيون جديدة في أفريقيا، ولكن السلعة اختلفت؛ فبدلًا من أن تبيع الصين الأفيون لأفريقيا باعت لها الديون، ولا عزاء للقارة السمراء. لقد كانت القارة الأفريقية فريسة لقرون من الاستعمار الفرنسي، والإنجليزي، والهولندي، والإيطالي، واليوم من الاستعمار الصيني. وقد ينظر البعض إلى مشروعات البنية التحتية التي تمولها الصين في أفريقيا على أنها طوق نجاة. ولكن التجارب الصينية في سيريلانكا، وباكيستان، تشير إلى أن المارد الصيني لا يساعد الفقراء، بل يستعبدهم.

وكما قال نابليون منذ أكثر من قرنين «وويل للعالم لو استيقظ المارد الأصفر».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات