توجد في العلاقات الدولية تفاصيل مهمة ونقاط تحوّل، والدول الكبيرة تتابع التفاصيل اليومية لكن تقف كثيرًا أمام نقاط التحوّل، فمن بين نقاط التحوّل هو التطور غير المسبوق بين بكين وطهران، فالعلاقات الصينية الإيرانية جيدة جدًا على مر التاريخ، وما يحدث حاليًا من تقارب وتحالف هو وجود أمرين جديدين هما:

أولًا: انتهاء الحظر الأممي للسلاح المفروض على إيران من طرف مجلس الأمن في 18 أكتوبر الجاري.

ثانيًا: قوة العلاقات وحجم التعاقدات بين البلدين.

فزيارة الرئيس الصيني «شي شينغ بين» مؤخرًا إلى إيران وتسريب بعض تفاصيل هذه الزيارة التي تحصّلت عليها صحيفة «نيويورك تايمز» بالفارسية وترجمتها ونشرتها التي أذهلت العالم.

فمن بين النقاط المتفق عليها هي: قيام الصين بضخ 400 مليار دولار في كل القطاعات الحيوية في إيران من طاقة إلى بنية تحتية إلى المطارات والموانئ وأيضا في مجال الأمن السيبراني والتعاون الأمني والعسكري … في المقابل تمنح إيران امتيازات خاصة للشركات الصينية وتقديم لها مواد الطاقة «البترول والغاز» بأسعار تفضيلية لمدة 25 سنة.

والغريب في الأمن أن الصينيين فضلوا الكتمان على هذه الاتفاقية عكس الإيرانيين الذين باركوا هذه الاتقافية وسعى المسؤولون في إيران إلى حث أعضاء البرلمان على الموافقة بهذه الشراكة التي اعتبروها مفيد جدا للبلدين.

فهذا تحوّل دراماتيكي ونقطة تحوّل كبيرة بين طهران وبكين والذي أطلق عليه أحد المفكرين الاستراتجيين الأمريكيين بأنه «تحالف لا يهزم» لماذا؟

لأن الصين لديها كل ما تحتاجه إيران ولدى إيران كل ما تحتاجه الصين، فالإيرانيون يحتاجون لبلد لا يخضع للنفوذ الأمريكي وأيضا لإنقاذ اقتصادهم خاصة الحصار الاقتصادي المفروض عليهم وسلسلة العقوبات المختلفة، ورغبتهم في تطوير قاعدتهم التكنولوجية والأمن المعلوماتي والقوة الدبلوماسية وأيضا الاستفادة من الفيتو الصيني بحكم أنها من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

أما الصينيون فحاجتها إلى إيران في ضمان تزويدها بمصادر الطاقة، لأن الصين فقيرة في هذا الجانب وأيضا أنها تستورد أكثر من 50% من احتياجاتها من منطقة الخليج التي تقع تحت النفوذ الأمريكي والتي تحتاط الصين لنفسها أنه في حال وقوع خلاف مع أمريكا قد تقطع عنها مصادر الطاقة وبهذا تكون قد ألحقت ضربة موجعة وخسائر فادحة بدون رصاصة واحدة.

وأيضا وجدت الصين إيران استيراد الطاقة عبر ممرات أرضية بعيدا عن الممرات الملاحية الخاضعة للنفوذ الأمريكي أيضا بحكم قربها الجغرافي مما اضطرت الصين إلى إنشاء شبكة خطوط كبيرة المعروفة بـ «طريق الحرير» والذي يربط بأكثر من 125 دولة حول العالم بين القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ولكن رغم ضخامة المشروع وحجم هذه الاتفاقية إلا أنها تهددها بعض العراقيل فمن بينها هي: أن لا تتحول الصين أمريكا ثانية بالنسبة لإيران وتقع تحت نفوذها وهيمنتها وتجبرها على تقديم بعض التنازلات للدول العربية أو لإسرائيل.

بحكم أن الصين أيضًا لديها مصالح ضخمة في الشرق الأوسط سواء مع الدول العربية أو مع إسرائيل، وكذا رغبة إيران في الإسراع لتوقيع هذه الاتفاقية التي بدأت مفاوضاتها من 2016 إلى غاية 2020 خاصة بتكتم الصينيين عن هذه الاتفاقية والخوف من سعي الولايات المتحدة وحلفائها من دول الخليج من دق إسفين هذه الشراكة وإفشالها.

لكن في حال نجحت هذه الاتفاقية، فإن الصين ستتحرر نهائيًا من الضغوطات الأمريكية والغربية خاصة بعد عزم ترامب بمحاسبة الصين وإجبارها على التعويض ما حلّ بالعالم جرّاء فيروس كورونا المستجد وأيضا وجود الملفات العالقة مع الأمريكيين مثل ملف هونغ كونغ وتايوان والمناورات العسكرية في بحر الصين الجنوبي.

في كل الأحوال وفي ظل الظروف الداخلية الأمريكية والرئاسيات المقبلة فلن يختلف الأمر كثيرا للصين، لأن كل من الجمهوريين والديمقراطيين يعتبرون الصين هي الخطر القادم ويجب مواجهته.

أما الجانب الإيراني فهم يعوّلون كثيرا على هذه الاتفاقية لأن وجود بطاقة الصين ستستغلها لصالحها ضد العقوبات الأمريكية والغربية وكذا ضد الروس خاصة وأن مصالحهم متعارضة ومتضاربة في الملف السوري كل هذا في انتظار قادم الأيام والشهور لمعرفة مستقبل هذه الشراكة ومدى نجاحها أو فشلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد