قراءة نظريّة تاريخيّة وسياسيّة

إنَّ السُّؤال الذي تطرحهُ هذهِ المقالة، يشغلُ أقلامَ الكثيرين، إذ يستدْعي إجابةً على الصَّعيد العالميّ السياسيّ والتّجاريّ، لتقصِّي أبعاد حدوث مثل هذه الإمكانيّة. على ذلكَ فالمقالة هُنا ترمي إلى تقديمِ منظورٍ مختلِفٍ، فالإدعاء المركزيّ هنا هوَ أنَّ بحث هذا السُّؤال هوَ أمرٌ ضروريٌّ لفهمِ التطوُّر التّاريخيّ الطبيعيّ للعالم، ولنقل حتّى بأنه محاولة للرَّبطِ بينَ عدّة إضاءات تخصّ التاريخ والفكر السِّياسي الصّيني، قد يكونُ بإمكانها إلقاء الضوء على المستقبل، الذي يشكِّل برؤية هذه المقالة نِتاج تاريخيّ يفيد النَّظريّة التّاريخيّة قبل كلّ شيء.

نقطتان مهمّتان تُوَضَّحانِ قبل البدء: النقطة الأولى هيّ أنَّ بحث مسألة مركز الصِّين في العالم ودورها فيهِ هوَ أوسع من أن نشمل كلّ جوانبه في هذه المقالة، من هُنا، المَقالة ستتطرَّق إلى بضعة نقاط، تُطرح كـ«إضاءات»، ومن خلالها يمكن التَّوصُّل لاستنتاج معيَّن. النُّقطة الثّانيَة هيَ، هل بوسعنا حقًّا، كغير صينيّين، ان نُجيب على هذا السُّؤال وهل لنا هذه الشَّرعيّة. والقصدُ هنا هوَ، أنَّ الصّين في منظور الإنسان الصّينيّ، هي الـ«إمبراطورية الوسطى»، أو «دولة السّماء»، بينَما بالنسبة لسائر قاطني العالم، تُعدُّ الصّين إقليمًا؛ عليهِ، فقد ينبع من اختلاف المنظور، اختلاف أو عدم دقّة في الإجابة. على ضوءِ هاتين النُّقطتين، نبدأ الطَّرح:

إضاءة أولى- الصين في النظرية التاريخيّة العامّة، والمعاصرة

في النّظريّة التّاريخيّة، تتأثَّر أخلاق «أهل العمران» بالإقليم الذي يقطنونهُ وطبيعتِهِ، وقد لفتَ إبن خلدون في مقدِّمته أنظار المؤرخين لهذه الحقيقة. يصنِّف ابن خلدون أهل الصّين في الإقليم الثّالث، وهوَ أكثر الأقاليم اعتدالًا في الهواء، ما يُمكِّن أهله من تطوير الصّنائع والعُلوم والمَباني والفَراسة (ابن خلدون، ص85)؛ ابن خلدون لم يُعطِ خاصيّة معيّنة للصّين في حديثه إنّما اشتملها على أقاليم أخرى. مؤرخٌ آخر معاصرٌ أكثر، ألمعَ إلى أخلاق أهل الصّين بناءً على طبيعةِ بلادهم كرقعة أرضٍ واسعة تحصرها الجبال والبحار، بتفصيلٍ أكبر، وهوَ كروكر، حيثُ كتبَ إنَّ رقعة أرض واسعة كهذه، تجعلُ من مجتمعها أكثر رُسوخًا في مكانهِ وتشبُّثًا بمنظومتهِ الحضاريّة، وأكثر تحصُّنًا؛ لذا لا يميل أهل الصين، وباصطلاحه «المسجنونين والمغلوبين بسعةِ طبيعة أرضهم اللامحدودة» إلى تطوير الحرّيّات (كوكر، ص32).

هل يمكِن أن يكونَ هذا التشخيص صادقًا؟ إنَّ صدق التشخيص يعتمدُ مرة أخرى على معيارِ النّاظر، فربّما بمنظور كروكر الأوروبيّ، يعدُّ تطوير «الحريّات» مقياسًا لتطوُّر الشُّعوب الحضاريّ، بينَما يخالف المنظور الصّيني ذلك. كما سيتّضح، بالنسبة للصّين، المنظومة الأخلاقيّة الحضاريّة هيَ الأهمّ، والعالَم، هوَ رقعة لتطبيق هذا الحكم الأخلاقيّ الحضاريّ، بينَما بالمفهومِ الفرديّ، الدّولة الصينيّة منذ أيّام الإمبراطوريّة، لا تسعى إلى تطوير الحُريّات، بل لاجتذابِ المواهب لسلطة دولة السّماء، من بين أفرادها وأفراد العالم، وذلك لبناء دولة، غير عابرة. ربّما، يصحُّ القول، أنه في المنظور الصّينيّ، الذي يعيشُ منذ آلاف السنين في رقعة أرضٍ واسعة، تعدُّ الدولة مفهومًا خالدًا أكثر من الإنسان ولذا تجب رعاية الدّولة لتصل إلى كونها دولة «فاضلة» قبل رعاية الإنسان الفرد، المفهوم الذي تقوم عليه الحضارة الأوروبيّة المعاصرة.

إضاءة ثانية- الرؤية الصينيّة التوسُّعيّة.. رحلة تشينغ ها نموذَجًا

عام 1403 قامَ الرّحالة الصّينيّ المسلم، بأمرٍ من الإمبراطور يونغل من سلالةِ مينغ، بإجراء رحلةٍ بحريّة جابت معظم أرجاء المحيط الهنديّ. بخلاف الرحلات الإستكشافيّة الأوروبيّة التي تبِعَت هذه الرِّحلة بفترة قصيرة، كانَ هدف هذه الرِّحلة ليسَ الإستكشاف، بل إيجاد شعوب «بربريّة» جديدة، يمكن أن تُفرض عليها الجِزية لإمبراطور دولة السّماء. أسطول تشانغ ها تألَّف من 317 سفينة، منها 62 سفن ضخمة، و27 ألف و800 جنديّ، موظَّفي حكومة ومُواطنين (Deng Hui & Li Xin، ص210)؛ مثل هذا العدد الضّخم، للأسطول، يُثبت الادعاء السّابق، أنَّ هذه المحاولة ليست مجرَّد محاولة استكشافيّة بالمنظور الأوروبيّ، بل هيَ أكثر من ذلك، إنها محاولة لنقل «دولة السّماء» إلى العالم، ونقل العالم إلى «دولة السّماء» من خلال ملاحظات تصف مُجريات هذه الرّحلة.

من الأمثلة على تلك الملاحظات، وثيقة يمنيّة غير معروفة المؤلِّف، تصف وصول مبعوث «مراكب التّنين» إلى النّاصر ملك اليمن، حيث يدخل المبعوث الصّينيّ ويسلّم رسالته إلى الملك اليمنيّ النّصر ويقول ما معناه «إنَّ مولاكَ سيد الصّين يرحب بك وينصحك بالتصرُّف بطريقة عادلة إلى مواطنيك» (النص موجود بالإنجليزية- The Empact of Cheng Ha’s Expeditions on the Indian Ocean، ص620). هذه المقولة فيها جانبين هامّين، أولهما، كون ملك الصين، «مولى» الملوك الآخرين وسيدهم، وذلك دون احتلال حربيّ، بل هوَ مفهوم راسخٌ كما يبدو في العقليّة الصّينيّة، التي تعدّ نفسها دولة السّماء؛ وثانيًا، أنّ ملك الصين يأمر الملوك الآخرين بالمعاملة العادِلة لرعيّتهم، وفي هذا محاولة لنقل منظومة أخلاقيّة لا توسيع رقعة دولة بالمفهوم الغربي. كخلاصة لهذه الإضاءة، نُشخِّص هنا أنَّ للصين تطلُّع حضاري لوضع العالم تحتَ المنظومة الأخلاقيّة الأفضل بحكم كونها دولة السَّماء، الدّولة التي يحكم ملوكها جميع رعيّة الأرض.

إضاءة ثالثة- اجتذاب المواهب الخارجيّة

هذه النقطة الأخيرة تربط ماضي النظرية السّياسيّة الصّينيّة بأفعالها المعاصرة، إذ نجدُ الصين تبذل جهدها اليوم في مناطق مختلفة من العالم، وفي أفريقيا بالأخص لاجتذابِ وتعليمِ الشّباب في تلك الدول، إمّا عن طريق إنشاء مؤسّسات في تلك الدول نفسها، وإمّا عن طريق إعطائهم منح للدّراسة في الجامعات الصّينيّة. مقولة بسيطة، لأقدم كتاب صينيّ في علم الخطاب وهوَ «Guiguzi» تضع قاعدة شبيهة بهذهِ، حيث يروى أن احد ملوك الصين القُدامى يستشير مؤلف الكتاب، Gui Kui حولَ كيفيّة زيادة قوّة حكمه ويُجيبه الأخير قائلًا: «الفرد الذي يريد تحسين قوته وقدرته وجعلها تبلغ الآفاق عليه أن يجذبَ المواهب قريبًا إليه، فابدأ بي الآن لتجنّد الرجال الشرفاء الحُكماء. بعد ذلك، أولئك الأفضل منّي سيجيئون إليكَ من قريبٍ ومن بعيد» (Guiguzi، ص56).

ككُلّ يمكن الاستنتاج أنَّ مستقبل الصّين كقوّة مركزيّة في العالم في المفهوم الصّينيّ، لا يُعدُّ مستقبَلًا، إنّما ماضِيًا وحاضِرًا، حيثُ إنَّ الصّين هيَ منذ البداية تلك القوّة المركزيّة، ومع اجتذابها للمواهب، ستحقِّق في العالم نظامًا أخلاقِيًا أعدل. مع ذلكَ هل تستطيع النظرية الصينيّة التوسُّعيّة، المختلفة جذريًا عن تلك الغربية، أن تصمدَ طويلًا؟ هل يكفي التوسُّع الأخلاقيّ الحضاريّ وحدهُ؟ ربّما نستطيع القول إنَّ العالم سيُضطرّ عاجلًا أم آجلًا لخلق موازنة بين النظريتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد