بدايات الإمبراطورية الصينية

ولدت الإمبراطورية الصينية وسط الاضطرابات والحروب في القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك في أول نظامين لسلالتين، هما: تشين والهن، حيث أسس القائد الوحشي لدولة تشين، المعروف تاريخيًا باسم إمبراطور كين الأول إمبراطورية مركزية، والتي تمثلت في الإقطاع الصيني، لكن العلاقات بين المركز والمناطق ظلت قضية مزعجة ومستمرة في جميع أنحاء الإمبراطورية والجمهورية بعدها.

هذا وقد أدت الحملات العسكرية وقمع التمرد، لا سيما ثورة لوتس البيضاء الدينية 1796 – 1804 إلى تآكل ثروة الدولة؛ مما أدى إلى ضعف الاقتصاد والجيش، كما كان الإمبراطور تشين نفسه شخصًا فاسدًا، حيث تم تقسيم أموال الدولة كميراث بين أبناء العائلة؛ مما فتح أبواب الفساد على نطاق واسع، وكون الحاكم من وضعه هذا ثروة كبيرة، وانتشر فساده إلى أبعد مدى وإلى كل مستوى إداري، إضافة إلى أن ارتفاع عدد السكان بدأ يشكل فيما بعد أعظم خطر على المدى الطويل.

كما واجهت الصين فيما بعد تهديدًا متناميًا من دول الإمبراطوريات الغربية، مدفوعًا بالثالوث المتجانس من التجار والمبشرين والجيش، حيث كانت الثقافة الصينية مستاءة من التجارة مع الغرباء، لأنها كانت تعتبر نفسها المملكة الوسطى في الأرض العالم وكل شيء تحت السماء، وبالتالي عندها الاكتفاء الذاتي في جميع الأمور الأساسية والهامة.

لكن الضغوط من الغرب دفعت الصين إلى السماح بالتجارة في المدن الجنوبية، وقد عانت بريطانيا العظمى على وجه الخصوص من توازن تجاري غير رابح مع الصين إلى أن بدأت تهريب الأفيون، حيث إن الأفيون المهرب إلى الصين ازداد بشكل كبير في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وما اتصل بذلك من تدفق للعملات والتضخم المرتفع، لهذا أرسل الإمبراطور الصيني مفوضًا إمبراطوريًا استخدم تدابير صارمة لإخماد التهريب، وقد رأت بريطانيا العظمى في ذلك سبب للحرب، وهي حرب الأفيون 1839 – 1842، بحيث قامت بريطانيا العظمى بهزيمة الصين هزيمة مهينة وألزمتها بمعاهدة نانجينغ، والتي كانت الأولى من بين العديد من الاتفاقيات والتي وصفت بالمعاهدات غير المتكافئة، لأن الصين لم تتلق أو تستفيد بأي شيء منها، وقد فتحت هذه الحرب قرنًا من العدوان من قبل الدول الغربية ضد الصين، وحولت المملكة الوسطى إلى شبه مستعمرة.

هذا وقد كان أحد الآثار المترتبة على هذه الأزمات الخارجية والداخلية المدمرة التي واجهت سلالة كينغ في منتصف القرن التاسع عشر هو الإرهاق المالي للحكومة، وبحلول عام 1850 وبعد حرب الأفيون، ولكن قبل أي من الثورات الداخلية، كانت حكومة الصين تسترد حوالي 10٪ فقط مما كانت تنفقه، كما أن أعمال إعادة الإعمار بعد كل تمرد مثل إعادة بناء الجسور، وإصلاح أعمال الري، واستصلاح المزارع المدمرة، أصبح لا يمكن أن تقوم بها الحكومة المركزية، ولكن كان على النخب المحلية أن تتولى عمليات إعادة البناء أو الإصلاح التي تحدث في مناطقهم، وذلك لأن هذه الأزمات كانت تدمر الدولة الصينية، وفي نهاية المطاف كان لا بد من حلها من قبل قادة المجتمع الصيني بدلًا عن الدولة المركزية، ومن هنا بدأ المركز يفقد السلطة في المقاطعات والمحليات.

وقد زادت التهديدات والأزمات الأجنبية على الصين في الفترة من 1874 إلى 1895، حيث فقدت الصين سيطرتها على جزر ريوكيو وفيتنام وكوريا، وهي أهم ثلاث ولايات رافدة لها، وهي الدول التي كانت قد أرسلت بعثات إلى المملكة الوسطى، كما أشارت الإجراءات العدوانية التي قامت بها اليابان وفرنسا إلى موجة جديدة من السيطرة الإمبريالية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حيث كان لخسارة فيتنام إلى فرنسا 1883 – 1885 وكوريا إلى اليابان 1894 – 1895 آثار هامة على الأمن القومي الصيني.

كانت الحرب الصينية اليابانية هي الأكثر صدمة للصينيين، حيث كانت إمبراطورية الأراضي الضخمة في الصين قد تعرضت للإذلال العسكري من قبل اليابانيين، وهم شعب كان الصينيون قد وصفوه بأنه عصابة قزمة، وفي هذه الحرب مع اليابان، خسرت الصين جزيرة تايوان، كما كانت شبه جزيرة لياودونغ في جنوب مانشوريا على وشك الضياع كذلك، إضافة إلى أن الدول الغربية طالبت بالحق في استئجار المناطق في الصين من 25 إلى 99 عامًا، كما تفاهمت روسيا، وبريطانيا، وفرنسا وقوى غربية أخرى على تقسيم الصين عن طريق إنشاء مناطق نفوذ لها فيها، حيث يمكنهم ذلك من استخراج الموارد المعدنية وبناء خطوط السكك الحديدية وتشغيلها، والانخراط في أنواع أخرى كثيرة من الأنشطة المربحة.

لقد حاول الصينيون في مختلف المحافظات استعادة الحقوق التي أخذها واستولى عليها الغزاة الأجانب من خلال المعاهدات غير المتكافئة والوسائل الأخرى، وخاصة ملكيتهم وسيطرتهم على خطوط السكك الحديدية، لهذا عملوا على نشر الصحف والمجلات التي ركزت على التطورات الحالية، حيث كانت المدن مرصوفة ومضاءة وفي أفضل حراسة وحماية، ومع هذه التغييرات جاء تصاعد الجهود الإصلاحية واسعة النطاق للتعامل مع العلل الاجتماعية كتدخين الأفيون والمقامرة، كما بدأت الفئات الاجتماعية الثانوية، ولا سيما النساء والشباب تظهر كفاعلين اجتماعيين وسياسيين، إضافة إلى الصينيين الذين يعيشون في الخارج، والذين كانوا ما زالوا مدفوعين بالولاءات المحلية، بحيث بدأت جميعها تلعب دورًا نشطا وبشكل متزايد في تطور الصين، وإرسال الأموال إلى أهداف إصلاحية وثورية محددة والاستثمار في المدن الصينية.

هذا وانتقلت الإمبراطورية الصينية لإجراء إصلاحات رئيسية، وذلك بعد محاولة فاشلة لإنشاء هيكل تعليمي مزدوج يجمع المدارس الحديثة بنظام الفحص التقليدي، فأمرت بإلغاء امتحان الخدمة المدنية بشكل قاطع وهو أكثر الأعمال الثورية في تاريخ الصين في القرن العشرين، حيث كان نظام الامتحان الناقل الرئيسي للأرثوذكسية الكونفوشيوسية التقليدية ومصدر التوظيف للنخب السياسية والاجتماعية لآلاف السنين، كما أدت الإصلاحات العسكرية إلى تأسيس جيش حديث، وتم تحويل الدوائر الحكومية التي تسمى مجالس الإدارة إلى وزارات حديثة.

وقد فسر القادة الصينيون انتصار اليابان على روسيا القيصرية في الحرب الروسية اليابانية 1904 – 1905 ليس فقط كأول انتصار لدولة آسيوية على دولة أوروبية، ولكن أيضًا انتصار سلطة دستورية على ملكية مسلحة، وفي عام 1906 أرسلت محكمة تشينغ بعثات إلى الخارج لدراسة النظم الدستورية في اليابان وأوروبا والولايات المتحدة، وقد كان يبدو بالنسبة للمحكمة أن الملكية الدستورية لليابان نظام ملائم ومفيد للصين كي تحاكيه، كما كان من شأن ذلك أن يعزز نظام تشينغ كنظام سياسي حديث أكثر.

بدايات الجمهورية الصينية

أعلنت الصين في أغسطس (آب) 1908 التغيير الأكثر إثارة وتطورًا في تاريخها الحديث، وهو تبني حكومة دستورية وإعلان تقويم دستوري، والذي سيتم تحقيقه بالكامل بحلول عام 1917، حيث بدأت الهيئات الممثلة على مستوى البلدات والمقاطعات في تكوينها من عام 1909 وحتى عام 1913، وقد وفرت هذه الهيئات منتديات للتحاور والتشريع، وهكذا تمكن النظام من وضع نفسه بشكل كامل في طليعة التغيير التقدمي؛ وذلك لأن العقل في المجتمع الإمبراطوري الصيني كان يبجل ويقدّر قوة المبادئ والعمليات الثقافية التقليدية، فالقضية الأكثر جوهرية كانت هي حماية الهوية السياسية والاجتماعية والثقافية الصينية من التهديدات المختلفة، وذلك من خلال تعزيز الذات والإصلاح المؤسسي وبرامج التغيير، والتي كانت جميعها مقيدة بتفسيراتها للحضارة والثقافة الصينية.

وبصرف النظر عن النظرة الصينية إلى مكانها المركزي والمميز في العالم، لكن كانت هناك حقائق تاريخية ووجودية منعت الصينيين من الاستجابة بقوة للتحديات الجديدة، حيث كان هيكل الدولة البيروقراطي المركزي في أواخر القرن التاسع عشر لا يزال يعتمد على نموذج سلالة تانغ 618 – 907، وغالبًا ما ارتبطت البيروقراطية مع حقائق عدم الكفاءة، بحيث إن اتخاذ القرارات كان يتحرك بخطى بطيئة، وهياكل الحكومة المحلية ساهمت في القيام بها بشكل فعال.

انطلقت جمهورية الصين إلى بداية ديمقراطية مثيرة في شتاء 1912 – 1913 مع انتخابات الجمعية الوطنية، حيث تحول التحالف الثوري فيها إلى حزب سياسي ليتنافس مع عدد من الأحزاب الأخرى المفعمة بالأمل، وقد مرت هذه الانتخابات بسلاسة ملحوظة، وذلك على الرغم من عدم وجود تاريخ للحكم الانتخابي في ماضي الصين، ومن المفارقات أنها كانت نقطة عالية في الديمقراطية الانتخابية في القرنين العشرين والحادي والعشرين في البر الصيني وفي تايوان حتى ثمانينيات القرن العشرين، وقد فاز الوطنيون بحوالي 43 في المائة من الأصوات، والتي كانت تعددية بين الأحزاب المتعددة.

لكن بعد ثورة الجمهوريين الثوار ضد الرئيس يوان في صيف عام 1913 بسبب أفعاله، لم يتباطأ الرئيس في جهوده الرامية إلى تفكيك الجمهورية، وفي نوفمبر 1913 حظر الحزب الوطني، وفي فبراير (شباط) 1914 ألغى الجمعيات التمثيلية التي أنشئت في العقد الأخير من حكم تشينغ على جميع المستويات وفي جميع المقاطعات، ثم أعلن عن خطته ليصبح الإمبراطور الدستوري الكبير، وبالتالي إعادة الملكية، وفي أواخر عام 1915 اندلع تمرد من جنوب غرب الصين للتحرك ضد الإمبراطور المحتمل، حيث توفي يوان فجأة في يونيو (حزيران) 1916 لأسباب طبيعية قبل أن يتمكن من العثور على سلالة جديدة تخلفه، ولكن موته أغرق الجمهورية الشابة في الفوضى السياسية، حيث كان يوان مسيطرا على الجنرالات الذين تم تدريبهم تحت قيادته في الجيش الجديد، لكن مع موته انطلق التنافس المدمر بين هؤلاء الجنرالات في المقاطعات والمشار إليهم بـ«أمراء الحرب»، والذي أنتج أحد أكثر الفترات الكارثية والفوضوية في التاريخ الصيني الحديث.

كان هدف كل أمير حرب هو السيطرة على بكين ومؤسساتها الحكومية من أجل الاعتراف به كرئيس للجمهورية، وهكذا أصبحت المؤسسات الحكومية في العشرينات من القرن العشرين رهانات لنضالات أمراء الحرب، كما كانت اهتمامات السياسيين المدنيين والبيروقراطيين ترتكز بشكل متزايد على الحفاظ على مواقفهم والحفاظ على سلطتهم السياسية الخاصة، وكثيرا ما كانوا في علاقات مع أمراء الحرب، وفي هذا السياق أصبح الفساد ديناميكيا وجوهريا، مقررا في كثير من الأحيان السياسات والانتخابات، وكانت أشهر هذه الحالات فوز تساو كون بالرئاسة في عام 1923، وذلك برشوة أعضاء الجمعية الوطنية، الذين حصل كل منهم على 5000 دولار للتصويت له.

كان البلاء الرئيسي بالنسبة للعديد من الصينيين في هذه الفترة، هو ما فعله أمراء الحرب مقابل حصولهم على الأسلحة وإمدادات لجيوشهم، حيث كانت تفرض الضرائب العالية بشكل غير عادي على كل بضاعة أو خدمة أو وضع يمكن تصوره، حتى أنه تم جمع الضرائب على الأراضي مقدمًا، وفي بعض المناطق حتى عقد من الزمان، كما كانت استراتيجية أمراء الحرب الأخرى للحصول على المال اللازم هي إجبار المزارعين على زراعة الأفيون لما يحققه هذا المحصول من أرباح ضخمة.

هذا وفي خضم هذه الفوضى العسكرية والسياسية برزت ثورة فكرية وثقافية من شأنها تغيير مصير الصين السياسي، فعلى الرغم من أن الكونفوشيوسية في المجال السياسي والتعليمي قد تم التخلي عنها، إلا أنها احتفظت بقبضة خانقة على المجتمع الصيني، فخلال هذه الحركة الثقافية الجديدة، بدأت الحقائق القديمة في الانهيار ببطء، حيث ملأت الصحافة شعارات مثل «يسقط كونفوشيوس وأبنائه»، والتي رددت في مظاهرات الشوارع، كما دعيا الشباب لتولي مسؤولية حياتهم وعالمهم، وكانت ثورة اللغة جزءًا من حركة الثقافة الجديدة هذه، حيث كانت اللغة المكتوبة هي نفس اللغة المحكية، وبدأ المستشار الجديد لجامعة بكين بداية عام 1916 بجعل الجامعة مختبرًا لتشكيل الثقافة الجديدة، حيث حضر الأساتذة إلى الحرم الجامعي بأفكار واسعة النطاق أفكار راديكالية وليبرالية إلى محافظة ورجعية، وتم منحهم الحرية الأكاديمية الكاملة لمناقشة جميع القضايا والإمكانيات من أجل أنسب الطرق الثقافية المستقبلية.

وقد تمت الحركة الثقافية الجديدة هذه في السياق الأوسع لحركة الرابع من مايو (أيار) 1915 – 1924، والتي سميت نهضة الصين وتنويرها، حيث أضافت الحركة ديناميكية سياسية قوية إلى الأحداث المحورية في تلك الحقبة، كما جاء اسمها من مظاهرة طلابية في بكين يوم 4 مايو 1919، للاحتجاج على القرار في مؤتمر فرساي للسلام والسماح لليابان بالحفاظ على التأجير الألماني السابق في مقاطعة شاندونغ التي احتلتها في أيام الحرب العالمية الأولى، وقد تم الاتفاق على مطالبة اليابان بهذه الأراضي التي استولت عليها من خلال معاهدات سرية مع قوات الحلفاء خلال الحرب، ولقد تمثل ضعف موقف الصين من هذه المسألة من خلال حقيقة أن الحكومة في بكين نفسها في عام 1915 كانت تحت الإكراه، ووافقت على طلبات اليابان والتي أعطت الإمبراطورية اليابانية العديد من الحقوق في الصين مثل الكثير من الإيجارات، كما أعطت سابقا الدول الأخرى في أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر.

هذا ومع ازدياد انتشار محنة الصين على نطاق واسع، حظيت الماركسية/اللينينية باهتمام متزايد لإمكانياتها في التعامل مع مشكلات الصين المتعددة، خاصة بعد الثورة الشيوعية الناجحة في روسيا وتأسيس الاتحاد السوفيتي في عام 1917، حيث شكل المثقفون والصحافيون مجموعات دراسة ماركسية في شنغهاي وبكين، كما قام عملاء من المنظمة الشيوعية الدولية التي تتخذ من موسكو مقرًا لها بالاتصال مع هذه الجماعات ونظمت الحزب الشيوعي الصيني رسميا في يوليو (تموز) 1921، وبسبب العدد الضئيل من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني فقط من 50 إلى 60 عام 1921، دفع عملاء المنظمة إلى انضمام الحزب الشيوعي الصيني إلى حزب البرجوازية الأكبر والأشهر القوميين.

كان دستور الحزب القومي الجديد والجيش يحملان مبادئ القومية والديمقراطية والاشتراكية، بحيث إن تحقيق القومية يعني توحيد البلاد من خلال القضاء على أمراء الحرب والإمبرياليين، وأن تحقيق الديمقراطية لن يتحقق إلا بعد فترة من رعاية الحزب للجماهير الصينية في طرق الديمقراطية، وعلى الرغم أن المشكلة الاجتماعية الاقتصادية المركزية في الصين كانت هي التوزيع غير المتكافئ للثروة، إلا أن الحزب جادل بأن المشكلة المركزية هي الفقر المدقع للشعب الصيني، والحل يتمثل في مساواة ملكية الأراضي، وتطوير المؤسسات المملوكة للحكومة التي تلائم النموذج التقليدي للاشتراكية، والضريبة على الزيادة في قيمة الممتلكات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد