كانت التركة الماوية في الاقتصاد الريفي الصيني مختلطة، فعلى الجانب الإيجابي حسنت التعاونيات الصحية القروية بشكل كبير من الرعاية الصحية الريفية ومتوسط العمر المتوقع، كما أدى مشروع البناء الرأسمالي الذي قام به الفلاحون في الكوميونات الشعبية إلى تحسين الري في الكثير من المناطق الريفية في الصين، وقد ساهم هذا الاستثمار في النمو الهائل في الإنتاج الريفي بعد عام 1977، لكن تحسن الإنتاج ومستويات المعيشة في الريف كان قليلًا من منتصف الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات، والتكلفة البشرية الباهظة للقفزة العظيمة للأمام، جعلت كفة الميزانية العمومية تميل بحدة إلى السلبية، كما وتركت حزنًا ومرارة عميقة بين المزارعين تجاه النظام؛ مما جعل الريف مهيئًا للإصلاح بمجرد وفاة ماو في عام 1976، وتولي دنغ شياو بينغ للسلطة في عام 1978 بالكامل.

لقد بدأ الإصلاح الريفي في عام 1977، حيث جرى تفكيك الكوميونات الشعبية واستُبدل بها نظام زراعي قائم على الأسرة، فيما بدأت المرحلة الثانية في عام 1984، والتي عززت التصنيع، والاقتصاد، والتخصص والتسويق في الاقتصاد الريفي، حيث بلغ متوسط الزيادة السنوية في القيمة الإجمالية للنواتج الزراعية بين عامي (1952- 1978) حوالي 4.2%، وكان معدل النمو السنوي للقيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي في (1979– 1984) يبلغ 7.4%، فيما ارتفع الناتج السنوي من الحبوب بنسبة 2.3% فقط في العام ما بين عامي (1952– 1978)، لكنه ارتفع بنسبة 5.1% سنويًّا بين (1979– 1984).

كما وانخفضت حصة الحكومة المركزية من إجمالي الناتج المحلي وإجمالي الاستثمار بشكل كبير بسبب اللامركزية وإبطال الطابع، وأصبحت العديد من المقاطعات والمناطق المحلية غنية، في حين أن الحكومة المركزية أصبحت فقيرة، مما عقَّد من أي عملية لإعادة توزيع الثروة بين مناطق البلاد، وزاد من تفاقم عدم المساواة الإقليمية، كما افتقرت الحكومة المركزية إلى الأموال التي كان لها تأثير كبير في اتجاه التنمية في جميع أنحاء البلاد.

هذا وبدأت المرحلة الثانية من الإصلاح في الريف في عام 1984 وذلك مع التوسع السريع في التصنيع الريفي، ويوضح نمو هذه المشروعات في القرى التي لم تكن جزءًا من الاقتصاد المخطط للدولة، الكثير من الزيادة في الدخول الريفية في الصين في الثمانينيات والتسعينيات، حيث جري تمويل العديد من الحكومات المحلية مع تسهيل حصولها على قروض من التعاونيات الائتمانية المحلية، حيث وضع الفلاحون بعضًا من دخلهم المتاح حديثًا، في حين عمل آخرون بموجب عقود مع الشركات المملوكة للدولة في المناطق الحضرية، والتي سعت إلى التوسع خارج قطاع الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة، كما قضى مهندسون من الشركات المملوكة للدولة عطلات نهاية الأسبوع لرفع مستوى الإنتاج في الشركات الريفية في غالب الأحيان في قرى آبائهم وأجدادهم، إضافة إلى أن الكثير من فائض العمالة الزراعية الذي أفرج عنه بفك الارتباط، وكذلك شباب الريف الذين دخلوا القوة العاملة لأول مرة، وجدوا وظائف في المدن والقرى.

لكن على الرغم من تدفق عدد كبير من المهاجرين من الريف إلى الحضر (أكثر من 260 مليون شخص في عام 2013) خلال حقبة الإصلاح، إلا أن الغالبية العظمى من العاملين في قطاع التصدير يقيمون بمعظمهم في المناطق الريفية، ويواجهون الكثير من الحرمان والكثير من التمييز، كما ويعتقد العديد من المراقبين داخل الصين وخارجها على حد سواء، أن إصلاح هذا النظام (هوكو) أو حتى إلغائه أمر ضروري، ليس فقط كمسألة متعلقة بحقوق الإنسان، ولكن أيضًا لنقل الصين إلى المستوى التالي من التنمية الاقتصادية.

كما أصبح دور القطاع الخاص في الصادرات أكثر أهمية من دور الشركات المملوكة للدولة، حيث إن الصادرات من قبل الشركات الخاصة، والتي تم الاستثمار فيها، أقلعت وصعدت بقوة بعد عام 2001، وهو عام انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، فالشركات التي كانت تبلي بلاء حسنًا في السلع القابلة للتداول، أصبحت قادرة على المنافسة على أساس دولي، كما أن القيود المفروضة على الاستثمار في الصناعات المتعلقة بالتصدير من الإلكترونيات إلى المنسوجات، كانت أقل بكثير من الصناعات المحلية التي تهيمن عليها الشركات المملوكة للدولة مثل السلع والتمويل، بحيث إن حصة الصادرات من الشركات الصينية الخاصة تجاوزت الشركات المملوكة للدولة لأول مرة في عام 2006 واستمرت هذه الفجوة بين مستويات صادراتها في النمو.

هذا وعلى الرغم من هذه العلامات المشجعة؛ إذ لا يزال قطاع الاستثمار الأجنبي يسيطر، لكن حصته تتناقص عامًا بعد عام، كما لا يزال القطاع الرأسمالي للاقتصاد خاضعًا للدولة، وفي النهاية تحت سيطرة الدولة، وكما تقول المادة (15) من دستور جمهورية الصين الشعبية: «تعزز الدولة صياغة القوانين الاقتصادية، وتحسن التكيف الكلي والضوابط، وتمنع وفقًا للقانون أي وحدات أو أفراد من التدخل في النظام الاقتصادي الاجتماعي»، وذلك على الرغم من أن نطاق التخطيط الاقتصادي انخفض بشكل كبير في عصر الإصلاح، لكن ما زالت الصين تصدر خططًا مدتها خمس سنوات، والتي تضع أهدافًا محددة في جميع مجالات النشاط الاقتصادي تقريبًا، وغالبًا ما يستخدم العلماء والمراقبون الآخرون عبارة «رأسمالية الدولة» لوصف النظام الاقتصادي الحالي لجمهورية الصين الشعبية.

أما إستراتيجية الصين الجديدة للتنمية الاقتصادية، فقد بدأت في منتصف التسعينيات، وذلك عندما اختارت لجنة الدولة الاقتصادية والتجارية 120 بطلًا قوميًّا لقيادة ارتباط الصين بالعالم، حيث إنها اشترت الشركات والموارد الخارجية مع تحديد مواقع شركاتها الخاصة في الخارج، وبعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، احتاجت الشركات الصينية الكبيرة إلى تكنولوجيا جديدة، وأسماء تجارية معروفة عالميًّا، ورأس مال ضخم، وفرق إدارة حديثة للتنافس في السوق الدولية، كما أنه وبموجب اتفاق انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية، أصبح بإمكان الشركات متعددة الجنسيات دخول السوق الصينية، والتي من شأنها تسهيل نقل التكنولوجيا والمهارات الإدارية للشركات الصينية، إضافة إلى أنه من أجل زيادة رأس المال، أُدرجت العديد من شركات جمهورية الصين الشعبية في بورصات الأسهم العالمية.

أما أهم تحديات الصين الاقتصادية تتمثل في أن هشاشة نموذجها الرأسمالي الذي انغمست فيه، يمكن أن يسقط في أي لحظة، كما أنها لم تعد قادرة على تحمل التكلفة البشرية والاقتصادية للصناعات شديدة التلويث، والذي يجسدها الضباب الدخاني الذي استقر على العديد من البلدات والمدن والمجاري المائية العالقة في جميع أنحاء البلاد، حيث إن تدهور البيئة كلف الصين في عام 2010 ما لا يقل عن 230 مليار دولار (أضيف الكثير من التكاليف الصحية)، أو 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، أي ثلاثة أضعاف ما كان في 2004.

لكن مبادرة الصين (حزام واحد/ طريق واحد) والتي بدأت تتشكل بسرعة، قد تكون الحل السحري للصين واقتصادها في السنوات القادمة، حيث أعلن بنك التنمية الصيني (CDB) أنه سوف يستثمر 890 مليار دولار في 900 مشروع في هذه المبادرة، وذلك في أكثر من 60 دولة، كما أظهرت سنوات من الاستثمار الضخم في تطوير السكك الحديدية المحلية وعبر الحدود نتائج باهرة، بحيث تعمل خدمات الشحن حاليًا بين العديد من مراكز التصنيع الصينية والمدن الأوروبية حتى غرب مدريد، وبالتوازي مع كل هذه الجهود فإن مساعي بكين ما زالت مستمرة لتعزيز الربط البحري من الموانئ الرئيسية على الساحل الجنوبي للصين التي تمر عبر بحر الصين الجنوبي وتمتد عبر المحيط الهندي إلى شرق أفريقيا وشمالًا عبر قناة السويس الموسعة حديثًا إلى أوروبا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد