تطورت وازدهرت الصين لتأخذ لنفسها مكانة رهيبة دولية، وهذا التطور الذي تعرفه الصين في كافة المستويات من تطور مادي، ورقي ثقافي، وحضاري، كان محصلة مراحل تاريخية للخطط تنموية جرى العمل بها في سبيل الخروج من دائرة التخلف نحو عالم الهيمنة والتقدم.

يمكن تتبع مسيرة التنمية والتحديث الصينية عبر مرحلتين رئيستين:

– المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي يمكن أن نطلق عليها مرحلة التنين النائم، لكن هذا النوم لا يعني الانصراف عن مشاغل الحياة والخنوع للكسل والجمود، بل هو نوم في محاسبة الذات وترتيب البيت الداخلي، إذ صبت السياسات على البناء الداخلي للصين في كافة المجالات، فكانت مرحلة ما قبل الإصلاح الاقتصادي، وتمتد من تاريخ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 إلى عام 1978.

وفي هذه المرحلة تبنت الصين النموذج الستاليني، ثم تحولت بعد ذلك إلى نظام التخطيط المركزي، ومنه لنظام الخطط الخماسية، مع التأكيد على تنمية الصناعات الثقيلة، ثم نموذج التعبئة الجماهيرية مع استخدام مكثف للقوى العاملة في الفترة ما بين عامي 1958 و1960، ومنه الانتقال إلى التركيز على نموذج التنمية الاقتصادية، المعتمد على الكفاية الإنتاجية، والاعتماد على الذات، مع إدارة مركزية للصناعات، وحققت الصين في الفترة الممتدة من عام 1952- 1978 معدل نمو سنوي قدر بنحو 6%، وقد انتهت هذه المرحلة بوفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونج عام 1978.

– المرحلة الثانية: يمكن أن نطلق على هذه المرحلة مرحلة الأفعى الراقصة، أي قدرات الصين الداخلية في كافة المستويات مكنتها أن تفرض نفسها في الملعب الدولي، وتمتد ذيولها ورأسها لجميع دول العالم، في تحقيق نفوذ عالمي ينافس ويزاحم الولايات المتحدة الأمريكية، ودخلت الصين ابتداء من عام 1978 مرحلة الإصلاح الاقتصادي والتحديث، حيث بدأت القيادة الصينية ولأول مرة منذ الخمسينات تحدد مهامها ومستقبل الأمة وفقًا لحاجيات النمو الاقتصادي على قاعدة واسعة، بدلًا عن الحملات السياسية والعقائد الأيديولوجية.

وطبقًا لإستراتيجية التنمية في الصين تعتبر الاستثمارات الأجنبية والتجارة الدولية عناصر حيوية لا غنى عنها مطلقًا لتحقيق النجاح.

ونجحت الصين في استقطاب استثمارات أجنبية هائلة، بفضل سوقها الاستهلاكية الواسعة، واليد العاملة الرخيصة والمؤهلة، فقد بات لدى الصين 442 ألف مهندس جديد، و48 ألف مهندس حاصل على درجة الماجستير، و8 آلاف دكتور عام 2005، في المقابل كان لدى الولايات المتحدة الأمريكية في نفس الفترة 60 ألف مهندس.

إن قوة الصين لم تعد مقصورة على السلع رخيصة الثمن، والصناعات منخفضة التقنية، بل أصبحت الآن مجموعة من الخصائص الثقافية، والنظم التعليمية، قادرة على تخريج نخبة من العلماء والمهندسين على مستوى عالمي في مجالات الفيزياء، والإلكترونيات، والتكنولوجيا الحيوية.

إن لدى الصين حاليًا ما لا يقل عن 350 ألف مهندس، متخصص في تكنولوجيا المعلومات، يحصل كل واحد منهم 105 دولار شهريًا في المتوسط، بينما يصل دخل المهندس الأمريكي أكثر من ذلك بحوالي 21 ضعفًا؛ مما يضطر الشركات الأجنبية إلى إنجاز أكثر الأعمال تعقيدًا ومهارة في الصين.

في الوقت الذي اعتقد العالم أن الصين تنين نائم، ولن يستيقظ، اتضح أنه كان نومًا هادئًا في وضع خطط للبناء والازدهار الداخلي على كافة المستويات والمجالات، وهي خطط مستوحاة من رؤى ومنظري قادتها المؤسسين الأوائل، ثم لتنتقل بسرعة نحو تحصين وجودها الخارجي، وإثبات مكانتها العالمية، فكانت بمثابة الأفعى الراقصة في تقديم مغريات الاستثمار، والتوسع نحو الخارج، في تحقيق مناطق النفوذ والهيمنة على كافة بلدان العالم بوسائل سلمية في القوة الاقتصادية والتكنولوجيا المتقدمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد