في البداية وقبل شرح الأسباب المباشرة للأزمة الحالية يجب علينا أولًا معرفة بعض الحقائق والتعريفات ليتسنى فهم جذور الأزمة وأبعادها وتداعياتها على منطقة شرق آسيا.

هونج كونج

هي مستعمرة بريطانية سابقة تقع في جنوب شرق الصين الشعبية وهي أكبر مركز مالي وتجاري في آسيا، حصلت على استقلالها عن بريطانيا في عام 1997 بعد صفقة بين الصين الشعبية وبريطانيا من جهة، وصفقة أخرى بين الصين الشعبية وهونج كونج من جهة أخرى.

ويقضي الاتفاق بين الصين الشعبية وهونج كونج ان تنضوي هونج كونج رسميًا تحت السيادة الصينيه على ان تتمتع بحكم ذاتي لمدة 50 عامًا تحتفظ فيها هونج كونج باستقلالها الكامل في شئونها الداخلية عن الصين من حيث إصدار القوانين وتشكيل الحكومات الإدارية للإقليم وإدارة مستقلة للهجرة والحفاظ على الحريات العامه التي تتمتع بها هونج كونج على عكس الوضع السائد داخل الصين.

تايوان (ومنها بداية الأزمة الحالية)

هي جزيرة تقع في المحيط الهادئ في شرق آسيا ويفصلها عن جمهورية الصين الشعبية مضيق تايوان.

تايوان (والتي تُعرف رسميًا بإسم جمهورية الصين) وعاصمتها تايبيه كانت تحت السيادة الصينيه لعدة قرون حتي وقعت تحت الإحتلال الياباني عام 1895. وفي عام 1911 اندلعت الثورة في بر الصين الرئيسي وأطاحت بالنظام الإمبراطوري وأعلنت تأسيس جمهورية الصين 1912 بتحالف بين الكوميتانج (القوميين) والشيوعيين الصينيين ثم وقعت الصين هي الاخري تحت الاحتلال الياباني عام 1937 حتي هزيمة اليابان في 1945 واستقلال كل من بر الصين الرئيس وتايوان وعودتهم تحت سيادة جمهورية الصين تحت حكم حزب الكوميتانج.

ثم اندلعت الحرب الأهلية الصينية بين الكوميتانج وحلفائهم الشيوعيين بعد أن حصل الشيوعيين علي دعم كبير من الاتحاد السوفيتي وانتهت الحرب الأهليه عام 1949 بهزيمة القوات الحكومية (الكوميتانج) على يد الميليشيات الشيوعية لتنسحب الحكومة الشرعية المنهزمة إلى جزيرة تايوان تحت حماية الأسطول الأمريكي الذي وصل متأخرًا لتأمين مضيق تايوان لمنع عبور الميليشيات الشيوعية خلف الحكومة المنسحبة إلى تايوان وهذا التأمين هو كل ما استطاعت الولايات المتحدة أن تقوم به في تلك الأزمة، ثم أعلنت الحكومة الشرعية لـ(جمهورية الصين) ان تايوان هي مقرها المؤقت وعاصمتها تاييه حتي إعادة ترتيب صفوفها وإعداد قواتها للعودة مرة أخرى لتحرير بر الصين من الشيوعيين.

وعلى الضفة الأخرى من مضيق تايوان وبعد سيطرتهم الكاملة علي بر الصين الرئيس أعلنت الميليشيات الشيوعية تأسيس (جمهورية الصين الشعبية) وعاصمتها #بكين من طرف واحد وحازت وقتها على اعتراف الاتحاد السوفيتي وحلفائه في حين كان اعتراف باقي دول العالم بجمهورية الصين ومقرها تايوان أنها الممثل الشرعي والوحيد للصين.

وشغلت تايوان مقعد الصين في #الأمم_المتحدة والمقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي حتي عقدت الولايات المتحدة الأمريكية صفقة سياسية كبرى مع جمهورية الصين الشعبية عام 1971 من أجل بناء علاقات دبلوماسية بينهم رسميًا وأصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 2758 الذي قضي بسحب اعترافها بـ(جمهورية الصين) ومقرها تايوان واعترفت بجمهورية الصين الشعبية ومقرها بر الصين الرئيس وعاصمتها بكين واعتبرتها الممثل الشرعي والوحيد للصين ومنحتها مقعد تمثيل الكيان السياسي للصين في الجمعية العامة للأمم المتحدة والمقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي.

وأعلنت الولايات المتحدة في علاقتها مع الصين وتايوان سياسة (صين واحدة ونظامين) وهو أحد أكثر المصطلحات السياسية الضبابية التي تسبب حالة من عدم وضوح الرؤية وعدم الاستقرار في شرق آسيا.

ومنذ أن انتزعت الصين الشعبية إعتراف العالم بوجودها وهي تحاول بشتي الطرق فرض سيادتها على تايوان وهو ما تقاومه تايوان حتى هذه اللحظة حتى عرضت الصين على تايوان إبرام صفقة انضمام على غرار اتفاق الصين وهونج كونج وهو ما ترفضه تايوان رسميًا وتتسم سياسة بكين مع تايوان بسياسة النفس الطويل وتمارس بكين كافة اشكال الضغوط على تايبيه، ولكنها لم تنجح حتى الآن.

جريمة بشعة في تايوان

في فبراير (شباط) 2018 قام شاب وفتاه من هونج كونج (19 و20 عامًا على الترتيب) برحلة سياحية إلى تايوان لقضاء عطلة عيد الحب في تايبيه، وفي يومهم قبل الأخير قاما بالتوجه إلى أحد الأسواق وشراء حقيبة سفر كبيرة الحجم وعادا بها إلى الفندق لقضاء ليلتهم الأخيرة، وفي صباح اليوم التالي خرج الشاب وحيدًا من الغرفة ومعه حقيبة السفر الكبيرة وغادر الفندق وذهب إلى محطة قطار الانفاق وخرج منه في إحدى المحطات وترك الحقيبة في إحدى الحدائق المجاورة للمحطة وأخفاها وسط الحشائش، ثم توجه إلى المطار وعاد إلى هونج كونج.

وبعد اختفاء الفتاة لعدة أيام قامت الشرطة في هونج كونج بالتحري عن الواقعة حتى توصلوا إلى أن الفتاة المفقودة كانت قد سافرت إلى تايوان بصحبة هذا الشاب وأنه عاد وحيدًا بدونها ورصدوا قيامه بسحب نقود من حسابها البنكي بواسطة الكارت الخاص بها وبالقبض عليه ومواجهته بالتحريات اعترف أنه قتلها في تايوان في ليلتهم الأخيرة بعد أن اعترفت له أنها حامل، ولكن من شخص آخر وقد عرضت له مقطع فيديو لها أثناء علاقة جنسية لها مع شخص آخر (وفقًا لروايته) وأنه شعر بالغضب وقام بضربها حتى ماتت، ثم قام بوضع جثتها في الحقيبة، وفي صباح اليوم التالي تخلص من الحقيبة وعاد إلى بلده.

وبالتنسيق بين هونج كونج وتايوان اكتشفت السلطات التايوانية مكان وجود جثة القتيلة وقامت بتفريغ كاميرات المراقبة بالفندق ومحطات الأنفاق حتى تم التوصل إلى كافة ملابسات الجريمة وأدلتها، ولكن الجاني تمت محاكمته في هونج كونج بجريمة سرقة أموال القتيلة فقط، رغم اعترافه بالقتل لأن القانون في هونج كونج لا يتيح محاكمته على جريمة تمت خارج حدودهم، وقد تم الحكم عليه بالسجن 29 شهرًا لتنتهي مدة سجنه في العام القادم، وفي حالة الإفراج عنه بعد ثلثي المدة لحسن سلوكه، فسيتم إطلاق سراحه في أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام!

ووسط تشكك العديدين في رواية القاتل حيث يتهمه البعض بالتخطيط لتلك الجريمة مسبقًا والإعداد لها بشكل متقن، فالجميع اجتمع على ضرورة محاكمته على جريمة القتل وقام والد الفتاة القتيلة بزيارة تايوان عدة مرات لمقابلة مسئولين تايوانيين والإلحاح عليهم بمطالبة سلطات هونج كونج بتسليمه وهو ما كانت تايوان قد طالبت به عدة مرات بالفعل، لكن سلطات هونج كونج لم تتعاون في هذا السياق حيث ترتبط هونج كونج باتفاقيات لتسليم المطلوبين مع 20 دولة فقط، ليس منها تايوان، ولا الصين، وهناك قانون أيضًا يتيح إصدار السلطات لقرارات تسليم خاصة في بعض قضايا بعينها، ما عدا إلى الصين، والمفارقة المضحكة أن هونج كونج بعد انضمامها للسيادة الصينية فهي تتبع حكومة بكين في ادعاءاتها أن تايوان (إقليم مارِق)، ولكنه يتبع الصين؛ لذلك ترفض سلطات هونج كونج تسليم القاتل إلى تايوان بسبب هذه الإشكالية الدعائية السياسية!

الصين وإدارة المشهد من خلف الستار

لا شك أن تلك الجريمة الاستثنائية تستدعي اتخاذ قرارات استثنائية، ولكن الغريب في الأمر أن سلطات هونج كونج التي لم تتعاون بشكل كافي مع حكومة تايوان لتسليم المتهم ورفضت إصدار قرار استثنائي في تلك القضية هي ذاتها التي اقترحت مشروع قانون دائم لاتفاقية لتسليم المطلوبين مع حكومة بكين وهو ما يدفع بعض المحللين السياسين في تايوان وهونج كونج للاعتقاد بأن عدم التعاون بين هونج كونج وتايوان لتسليم المتهم كان مقصودًا ومدعومًا بشكل سري من بكين التي كان ممثلوها يحضرون اجتماعات اللجنه التنسيقية المشتركة بين بكين وتايبيه اللذين تربطهما اتفاقية لتسليم المطلوبين بالفعل ويدّعون دعمهم لمطالبة تايوان لهونج كونج بتسليم المتهم، ولكنهم في الحقيقة هم من يعرقلون التسليم للاستفادة من الموقف سياسيًا باستصدار قانون بتسليم المطلوبين (بدلًا عن مجرد قرار استثنائي) لفرض مساحة جديدة من الهيمنة الصينية على القوانين الداخلية لإقليم هونج كونج ذي الحكم الذاتي.

وفي نفس الوقت بعد إقرار القانون الجديد كما كان مخططًا له تقوم بكين باستلام المتهم، ثم إرساله إلى تايوان كرسالة سياسية إلى تايوان أن تقاربهم مع بكين هي حاجة ضرورية لتايوان لدعم قوتها الدبلوماسية والسياسية في علاقاتها مع دول آسيا التي ترزخ غالبيتها – طوعًا او كرهًا – تحت الهيمنة الصينية ورسالة تزلّف من بكين إلى الشعب التايواني أو ربما تخطط بكين لمحاكمته في الصين وكأن الجريمة وقعت على الأراضي الصينية وفقًا للادعاءات الصينية المتكررة بأن تايوان صينية (وهو ما يخالف الواقع الفعلي)، وأيضًا رسالة إلى العالم ان حكومة بكين هي من لها اليد العليا في إدارة شئون آسيا وتايوان على وجه الخصوص لتأكيد ادعاءاتها بأحقيتها في السيادة على تايوان.

تداعيات الأزمة على هونج كونج وتايوان

مشروع قانون التسليم الذي تقدمت به سلطات هونج كونج التي ترأسها الرئيسة التنفيذية الموالية لبكين أثار مخاوف كبيرة وسط شعب هونج كونج من تدخلات صينيه قمعية ضدهم فبموجب هذا القانون إذا ما تم إقراره يعتقد بعضهم أن بكين قد تستخدمه للمطالبة بتسليم أي شخص من هونج كونج لمحاكمته في الصين إذا ما استغلت السلطات الصينية هذا القانون بشكل سيئ لتلفيق الاتهامات لأي شخص في هونج كونج لا ترضى عنه سلطات بكين وهو ما امتدت آثاره أيضًا إلى المستثمرين الأجانب في هونج كونج الذين بدأوا بالفعل بالهروب من هونج كونج وإلغاء عدة مشاريع إستثمارية لهم هناك وتسبب هذا في خسائر اقتصادية لهونج كونج.

وتلك المخاوف هي ما تسببت في تلك الإحتجاجات العارمة غير المسبوقة بهذا العدد من المتظاهرين في هونج كونج، والذي وصل طبقًا لتقديرات المتابعين إلى مليون متظاهر في الإقليم الذي يبلغ عدد سكانه سبعة ملايين نسمة فقط وقد واجهتهم الشرطة بعنف مفرط غير مسبوق أيضًا هو أقرب إلى تعامل الشرطة الصينية طبقًا لروايات النشطاء هناك الذين يتداولون صور لبعض ضباط الشرطة يلتقطون صور تذكارية لهم بعد فض المتظاهرين بشكل يثير الاستغراب وبعضهم يرتدي بذلات تبدو وكأنها ليست بذلاتهم وفقًا لإعتقاد النشطاء في هونج كونج.

وعلى الجانب الآخر في تايوان التي تشهد منافسة سياسية شرسة بين التحالف الاخضر (انصار الاستقلال) وتنتمي إليهم الرئيسة الحالية لتايوان وبين التحالف الأزرق (الكوميتانج المقربين من بكين ويتهمهم أنصار الاستقلال بالحصول على دعم سياسي كبير من الصين) تنتظر تايوان انتخابات رئاسية العام القادم وهي انتخابات يعتبرها بعض المحللين السياسيين انتخابات فارقة في تاريخ تايوان نظرًا للتغير الحاد في توجهات الرأي العام مؤخرًا في تايوان وفوز التحالف الأزرق بغالبية كاسحة على التحالف الأخضر في انتخابات المحافظين والمجالس المحلية الأخيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وهو ما تراهن عليه الصين لانتخاب الرئيس القادم لتايوان من التحالف الأزرق لتكون بمثابة فرصة تاريخية للصين قد لا تتكرر مرة أخرى قريبًا لإبرام صفقة لانضمام تايوان تحت السيادة الصينية على غرار هونج كونج أو على أقل التوقعات زيادة الاتفاقيات الموقعة بينهم ورفع مستوي العلاقات والتنسيق بينهم لزيادة الارتباط بين الصين وتايوان بشكل لا يسمح لأي حكومة لاحقة في تايوان من الفكاك من الشبكة الصينية المجهزة بعناية وهو ما تعيه النخبة السياسية للتحالف الأخضر في تايوان جيدًا وقاموا بحملة مضادة بغرض إثارة مخاوف الرأي العام في تايوان من الوثوق في الوعود الصينية ومن انتخاب تحالف (أصدقاء الصين) التي قد تقوم بالالتفاف على وعودها بعدم المساس بالشأن الداخلي التايواني (على غرار ما يحدث في هونج كونج الآن) إذا ما تم توقيع اتفاق مماثل بين الصين وتايوان ويقابله التحالف الأزرق بدحض تلك التخوفات بأن هناك بالفعل اتفاقية لتسليم المطلوبين بين الصين وتايوان منذ سنوات وهذه الاتفاقية مفيدة لضبط الأمن في البلدين لتفادي وقوع أزمات مماثلة مثل تلك الأزمة الحالية بسبب الجريمة المذكورة وأن تلك الاتفاقية لم تستغلها بكين بشكل سيئ حتى الآن.

وبخصوص الموقف الراهن في هونج كونج فالبرلمان أرجأ مناقشة مشروع قانون التسليم لتهدئة الأوضاع، ولكنهم ما زالوا في سباق مع الزمن لوضع حل لتلك القضيه قبل خروج المتهم من السجن في أكتوبر من هذا العام، والهروب خارج هونج كونج إلى دولة يتعذر تسليمه منها لمحاكمته في تايوان على جريمة القتل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد