قبل أربعين عامًا كانت الصين دولة متخلفة تمامًا، لا تعتمد إلا على الزراعة أي أن النشاط الاقتصادي يقتصر فقط على الزراعة ومنذ بداية ثمانينيات القرن الماضي استيقظت الصين من ثباتها العميق لتؤدي دورها في الاقتصاد العالمي.

قبل الثمانينيات لم تكن الصين مستقرة لا في أحوالها الاقتصادية ولا في أحوالها السياسية على حد سواء، فقد ساعد التغلغل الغربي في الصين على انتشار الراسمالية بها بشكل مفاجئ مما أدى الى انهيار اقتصادها وتمرد سكانها ووقوع ثورة 1911 لإسقاط النظام الديكتاتوري وإعلان الجمهورية عام 1912.

وحتى بعد إلغاء الديكتاتورية لم تكد البلاد تهدأ حتى اندلعت فيها الحرب الأهلية بين سكانها، فاستغلت اليابان الوضع وقامت بغزو منشوريا، وحتى بعد تخلص الصين من الحكم الياباني دخلت في حقبة أخرى من الصراع بين الحكومة وميليشيات الحزب الشيوعي.

كل ما تم ذكره مقدما يشير إلى أن الصين كانت أبعد ما تكون عن التقدم والحضارة، ولكن نجدها اليوم رائدة في هذا المجال، فكيف وصلت الصين إلى كل هذا التقدم والنمو.

فقد تحولت خلال الأربعين عامًا من دولة نامية فقيرة إلى ثاني اقتصاد في العالم، بعدما كان 30% من سكانها تحت خط الفقر، وهي الدولة التي بلغ عدد سكانها 1.393 مليار نسمة لم تشكُ من البطالة.

إذا ما الأسرار والعوامل التي ساعدت الصين لتصل إلى كل هذه المكانة المرموقة في الاقتصاد العالمي؟

أولًا/ السكان

فقد قامت الصين بمعادلة سكانية لم تخطر على بال باقي دول العالم، حيث إن كل دول العالم تحاول أن تنتج الاكتفاء الذاتي والفائض للتصدير، أما الصين فقد وضعت نصب عينيها أن تنتج للعالم بما يشمل ذلك شعبها أيضًا، وهذا يعتبر حلًّا للغز القائل كيف تغلبت الصين على المشكلات الاقتصادية كالفقر والبطالة، فتعداد سكانها يكاد يقترب من المليار ونصف ولكن الصين تنظر إلى سكانها على أنهم مورد لها وليسوا عبئًا عليها.

ثانيًا/ اللامركزية التجارية

انتقلت الصين من مركزية التجارة إلى اللامركزية التجارية وتحرير الأسعار، ومن النجاحات في المجال الزراعي أن الصين قامت بالاتفاق مع المزارعين أن يقوموا بتسليم الدولة كمية متفقًا عليها من المنتجات ويتصرف المزارعون بحرية في الباقي، وقامت الدولة برفع أسعار المنتجات التي تشتريها من الفلاحين لتشجيعهم.

ثالثًا/ الخصخصة

قامت الصين بخصخصة المنشأت التابعة للقطاع العام، خصوصًا الصغيرة منها التي تحقق عجزًا والإبقاء على المنشآت الكبيرة، مما أدى إلى نجاح كبير في المنشآت الصغيرة، كما قامت بإغلاق المنشآت الأكثر عجزًا.

رابعًا/ صعود القطاع الخاص

لقد أخذ وقتًا طويلًا للاعتراف به، ولكن تم الاعتراف به في النهاية، وأصبح القطاع الخاص مؤثرًا هامًا في الاقتصاد الصيني، حيث إنه ينتج نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي.

خامسًا/ الانفتاح على العالم الخارجي

قامت الصين بجذب رؤوس الأموال الأجنبية، ولم تكتف بذلك فقط وإنما قامت بتوجيهها نحو قطاعات معينة ولم تترك للمستثمرين الحبل على الغارب، وهذا سر من أسرار النجاح الذي حققه الاقتصاد الصيني، فبعض الدول تقوم بجذب الاستثمارات الأجنبية إليها ولا تحفل الى أين ستذهب هذه الاستثمارات على الوجه العام، وإنما يجب على الدولة تحديد أوجه القصور عندها، وتقوم بتوجيه الاستثمارات الأجنبية إليها وليس فقط جذب الاستثمارات على الوجه العام.

سادسًا/ السياسة التجارية

قامت الصين بحماية المنتجات المحلية والتشجيع على التصدير من خلال رفع التعريفة الجمركية على الواردات المثيلة للمنتجات الصينية، مما أدى إلى تحسن ميزان مدفوعاتها وحقق فائضًا بانتظام لأن صادراتها تفوق وارداتها، كما أن دخولها الجارية تفوق نفقاتها الجارية، وأما بالنسبة لسعر صرف اليوان فإن الصين تقوم بتثبيت قيمة عملتها بل قد تتجاوز ذلك بتخفيض قيمة اليوان إذا لزم الأمر، حتى تزداد صادراتها مما يكون له أثر إيجابي على اقتصادها، وهذا ما تحاول أمريكا تطبيقة حاليًّا لتحصل على نفس المكاسب.

ليس بالبعيد ولكنه قريبًا ستقوم الصين بزحزحة الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح الأول عالميًا في الاقتصاد، وسيتم استخدام اليوان في التجارة الدولية بشكل أوسع، بل إن بعض الدول ستجعل احتياطاتها النقدية من اليوان، كما أن الشركات الدولية الكبرى ستتعامل باليوان، مما يؤدي إلى زيادة الثقة في اليوان للمعاملات التجارية الدولية.

كما أن اليوان أصبح من ضمن العملات المعتمدة لدى صندوق النقد الدولي مثله في ذلك مثل الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني، كما أن الصين تقوم بتخفيض قيمة عملتها لكي تتمتع بدرجة عالية من التنافسية مع الدول الأخرى، مما يلحق الضرر بالاقتصاد الأمريكي بسبب ارتفاع قيمة الدولار، وتقوم الصين بتقييم اليوان بأقل من قيمته الحقيقية فتغزوا منتجاتها السوق الأمريكية، وفي نهاية المقال لا بد من الإشارة إلى الناتج المحلي الإجمالي للصين حيث إنه يبلغ 12 تريليون تبعًا لبيانات البنك الدولي لعام2017 كما أنه ينمو بنسبة 6.5%.

 

المصادر:

كتاب الاقتصاد الصيني تأليف فرانسوز لوموان ترجمة د صباح ممدوح كعدان

pinterest

ahewar

rawabetcenter

tradingeconomics

sputniknews

albankaldawli

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصين
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!