أنظمة الحكم هي تلك القواعد والقوانين السياسية والاجتماعية والقانونية التي تعمل على تسيير الدولة والمواطنين بشكل ثابت أو هي مجموعة الأحكام التي اصطَلَحَ واتفق شعبٌ ما على أنها واجبةُ الاحترام وواجبةُ التنفيذ؛ لتنظيم الحياة المُشتَرَكة.

حيث تعمل الأنظمة على خلق توازن بين المدخلات والمخرجات وبين أعلى الهرم وأسفله ولا وجود لنظام بدون دولة، فالدولة في تعريفها التقليدي، هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معين، وبالتالي الدولة هي كيان ثابت لا يتغير، ولكن النظام السياسي متغير.

حيث تتحكم في تحديد نوعه النخب السياسية أي يختلف باختلاف المجتمع ومقوماته، وحتى تاريخه، وتعتبر الأنظمة الشمولية شكلًا من أشكال الحكومات أو الأنظمة، وفي تعريف لها هو النظام الذي لا يسمح نظريًا بالحرية الفردية، ويسعى إلى إخضاع جميع جوانب الحياة الفردية لسلطة الدولة.

ويقول الإيطالي بينيتو موسوليني الذي صاغ مصطلح توتاليتاريو في أوائل عشرينات القرن العشرين. والذي يعبر عن الشمولية، وصاغه لوصف الدولة الفاشية في إيطاليا، والتي وصفها أيضًا بأنها «كل شيء داخل الدولة، لا يوجد خارج الدولة، ولا شيء ضد الدولة».

هذا الوصف من الممكن أن يكون تعريفًا شاملًا وواضحًا للشمولية:

كل شيء داخل الدولة، أي وحدة نظام الدولة، قادر على صياغة السياسات والقرارات وفقًا لمعطيات داخلية (محلية)، ولا يحتاج لمقترحات مصدرها خارج إطار الدولة، وبالتالي الدولة هي المتحكمة في جميع المسائل الاقتصادية والسياسية.

 لا يوجد خارج الدولة لأن هذه الاخيرة بالنسبة لهم هي صندوق مغلق لا يتأثر، ولا يؤثر في الخارج، ولا يتلقى افكار من الخارج 

لا شيئ ضد الدولة ويعني غياب أية معارضة داخلية للنظام أو للدولة، وشكلها ويُصبح (واجب المواطن في الدولة) هو الشيء المُسيطر على تفكير المجتمع، بالتالي الأنظمة الشمولية تمنع أية معارضة، سواء من طرف المواطنين أو السياسيين، وهذا ما ينتج عنه غياب أحزاب معارضة وغياب مجتمع مدني. 

يمكننا القول إنه مع بداية الحرب العالمية الثانية، أصبحت الشمولية مرادفًا لحكومة الحزب الواحد المطلقة والقمعية. ومن الأمثلة الحديثة الأخرى للدول الشمولية الاتحاد السوفيتي تحت حكم جوزيف ستالين، وألمانيا النازية في ظل أدولف هتلر، وجمهورية الصين الشعبية تحت حكم ماو تسي تونغ، وكوريا الشمالية في عهد أسرة كيم أن أغلب الكتابات السياسية تنظر إلى الحكم الشمولي على أنه نقيض الديمقراطية، واعتبارها أحد أشكال الديكتاتورية. إن أغلب المفكرين يصفون الأنظمة الشمولية بالأنظمة الفاشلة وأنظمة قابلة للسقوط وللزوال بسرعة.

لكن هل يوجد أنظمة شمولية ناجحة؟ 

يعتبر النظام السياسي الصيني من أشهر الأنظمة الشمولية وأقدمها ومن أبرز مقوماته هو نظام الحزب الواحد حيث ظل الحزب الشيوعي الصيني في السلطة منذ أكثر من 63 عامًا، ويعتبر نفسه ملتزم بالحفاظ على احتكار دائم للسلطة وهو غير متسامح مع أولئك الذين يشككون في حقه في الحكم يبلغ عدد أعضاء الحزب الشيوعي 66 مليونًا، وهو ما يجعله أكبر حزب سياسي في العالم.

وعلى الرغم من وجود أحزاب أخرى أو أطراف مختلفة، ولكن في الحقيقة الحزب الشيوعي الصيني هو الذي يقود البلاد، وبالتعاون مع ثمانية أطراف أخرى فقط لمناقشة وإدارة شؤون الدولة.

 إن النظام الحزبي الصيني مختلف عن باقي الأنظمة في الدول الأخرى، ولكنه يعبر بشكل صارخ عن نظام سياسي شمولي، ولكن بخصائص صينية.

ومن المقومات الاخرى التي تميز نصف النظام الصيني هو الأيديولجية فوجود أيديولوجية، أي طريقة تفكير معينة تتحدث عن جميع جوانب الحياة هي من الخصائص المهمة للأنظمة الشمولية، وتعتبر الأيديلوجية الصينية، وخاصة السياسية ثابتة بشكل كبير منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وتعتبر أهم أهداف وأسس أيديولوجية الصين قائمة على التالي تحقيق نظام الاجتماعي الشيوعي، وقيادة وتوحيد أبناء مختلف القوميات في البلاد، والاهتمام بالبناء الاقتصادي بشكل مركزي، والإصلاح والانفتاح، والاعتماد على الذات والعمل الشاق، والكفاح في سبيل بناء دولة اشتراكية حديثة قوية غنية وديمقراطية ومتحضرة. 

ولهذا نلاحظ براجماتية الصين في تعاملاتها الخارجية وتقديسها للعمل الشاق الذي سهل مهمة صعودها الاقتصادي الكبير كأقوى الدول المصنعة والمنتجة.

إن الطرق الاستبدادية التي تمارسها الصين لم تتغير، ولكن تطورت على مر السنين وتغيرت لتصبح مختلفة ومواكبة للرقمنة والتطورات التكنولوجية، ونقلًا عن موقع Arabicsputniknews تقول إحدى المسنات التي تدعى جيانغ هونغ، وتبلغ من العمر 75، إنها عاصرت فترت الستينات، وأن الأشهر الماضية التي عايشوها في الصين كانت مثل الحياة في عصر الزعيم ماو تسي تونغ، حيث كان يتم الاعتناء بكل شيء، لكن لم يكن هناك الكثير من الخيارات وأضافت أن المسؤولين استخدموا الهواتف الذكية، بدلًا عن مكبرات الصوت لتوصيل رسالتهم، ولم يعد الناس يعتمدون على قسائم الطعام المستخدمة على نطاق واسع في الصين خلال الستينات لشراء الضروريات ووفقًا للمحلل السياسي تشين داوين، إن هذا النموذج الحالي ما هو إلى نسخة حديثة من الضوابط الاستبدادية المركزية التي تم وضعها في الصين منذ عهد أسرة تشينغو بالتالي فإن النظام الشمولي في الصين لم يتغير، بل فقط تغيرت الطرق والأساليب.

ولكن هل أعاق هذا النظام الاستبدادي تقدم وتطور الصين؟ 

إن المرحلة البارزة قي تاريخ الصين التي شهدت فشل النظام الشمولي كانت بداية من خمسينات القرن الماضي حيث شهدت الصين على واحدة من أكبر الكوارث التي مرت على البشرية في القرن العشرين – والتي تجسدت في محاولة من جانب الزعيم ماو تسي دونغ لتصنيع الاقتصاد الصيني الذي كان يعتمد على الزراعة، ولكن المشروع فشل وأدى إلى موت من 10 إلى 40 مليون في الفترة المحصورة بين عامي 1959 و1961، في ما تعتبر واحدة من أسوأ المجاعات في التاريخ الإنساني. ولكن بعد وفاة ماو في عام 1976، بدأت الإصلاحات التي قادها الزعيم دنغ شياوبينغ.

في تغيير وجه الاقتصاد الصيني، ولكن هذا التغيير لم يكن شاملًا فلقد حافظت الصين على نظامها السياسي كما هو، ولم يتطلب الأمر إلا أقل من 70 عامًا لتحول الصين من دولة معزولة إلى واحدة من أعظم القوى الاقتصادية في العالم. حيث تم فتح الأبواب للاستثمارات الأجنبية وتغير النظام الاقتصادي الصيني وأصبح أكثر انفتاحًا أدت الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها دنغ إلى تحسين مستوى المعيشة بالنسبة للملايين من الصينيين، ويقول البنك الدولي إن أكثر من 850 مليون من الصينيين تمكنوا من الخروج من دائرة الفقر، وإن البلاد تسير حثيثًا للتخلص من الفقر بشكل كلي، وخلال 2018 تراجع معدل البطالة في الصين إلى 3.8٪ مقابل 3.9% في 2017. ووفرت الصين حوالي 13.61 مليون فرصة عمل جديدة في 2018 ومن ناحية أخرى تسارعت مستويات التعليم بشكل هائل. ويتوقع بنك ستاندارد تشارترد أن 27% من القوة العاملة في الصين ستحظى بتعليم عال جامعي بحلول عام 2030، وبحسب إحصاءات أخرى نشرتها شبكة «bbc»، فإن الصين استطاعت أن تتفوق على اليابان وبريطانيا في نسبة الناتج المحلي الإجمالي حيث أصبحت في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من 2010 إلى 2019 اما من الناحية العسكرية، فلقد تخطت ميزانية الصين العسكرية 170 مليار دولار عام 2018 بعدما بلغت فقط 77 مليارا عام 2007. وارتبط بالزيادة العسكرية زيادة أعداد الجنود لتتخطى المليونين، بالإضافة إلى تأسيس الصين أول قاعدة عسكرية بالخارج ومقرها جيبوتي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وحسب تقرير نشرته وزارة الدفاع الأمريكية أن الصين تسعى لتطوير قاذفات ستيلث متوسطة وطويلة المدى قادرة على ضرب أهداف إقليمية وعالمية، وقد تدخل حيز الوجود بحلول عام 2025 تقريبًا.

كل هذه المؤشرات السابقة تثبت أن النظام الصيني الشمولي لم يكن فاشلًا. ولم يؤتر بشكل سلبي، بل حسب الكثير من المحللين أنه كان سببًا في الخروج من عدة أزمات أهمها الأزمة الحالية، والتي أبرزت فيها الصين قدرة كبيرة في السيطرة على انتشار الكورونا. 

فالشمولية الصينية تعتبر تجربة ناجحة نسبيًا ومن الممكن أن نعتبرها سببًا في تقديم دفعة قوية للدولة، فعلى الرغم من السلبيات الكثيرة للأنظمة الشمولية بصفة عامة، إلا أن هذه الاخيرة تختلف من دولة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد