سؤال دائمًا ما يتم طرحه وهو الأكثر أهمية حاليًا، هل يمكن للصين أن تصعد بشكل سلمي؟ بدون حروب أو سفك دماء؟

الإجابة المختصرة هي لا، لعدة أسباب سنحاول أن نلخصها في هذا المقال القصير.

النظام الدولي نظام فوضوي

دعونا نتفق أن النظام الدولي هو نظام فوضوي (أناركي) أي لا توجد سلطة أعلى من سلطة الدولة، لا توجد سلطة يمكن لدولة ما طلب الاستغاثة منها عند وقوعها في مشاكل لتُلبي أحتياجاتها وتُنهي النزاع القائم، هذا هو النظام الفوضوي الذي يمثله النظام الدولي، لذا فهذه الفوضى تدفع الدولة لأن تأخذ بعين الاعتبار القوة العسكرية، وأن تكون هي المهيمنة في إقليمها، لذا لن تسمح لأية دولة سواء كانت جارتها أو دولة تقع بالقرب من مصالح دولة أخرى أن تنمو عسكريًا؛ لأنها تمثل تهديدًا صريحًا لتلك الدولة ومصالحها، ولا أحد يعلم بنوايا الدول.

الصين تعرف قيمة القدرة العسكرية

عانت الصين الكثير، خصوصًا ما بين عامي 1850 إلى 1950، وخصوصًا في عام 1937 عندما قامت اليابان بالهجوم على الصين في خطة طموحة للسيطرة على الإقليم والتوسع، في ذلك الوقت كانت الصين دولة، ولكن لم تكن أمة بسبب الانقسام الداخلي، لم تكن تمتلك قوة عسكرية يمكن الاعتماد عليها، لذا انتهى الحال على الرجال والنساء والأطفال في مدينة تشانج ماي بالتقاط أنفاسهم الأخيرة تحت وطأة القنابل التي اجتاحت المدينة، وكانت هي الأولى في تاريخ الصين التي يتعرض فيها مدنيون لقصف مباشر بدون دفاع.

هذه الواقعة وغيرها هي بصمة في تاريخ الصين، وعلمت الصين أن بدون القوة العسكرية لن تتمكن من فعل شيء في هذا النظام الدولي، لذا تُحاول الصين قدر الإمكان تشكيل قوة عسكرية لتكون الأقوى خلال عقود قليلة، لتهيمن على آسيا، والسبب ببساطة أنه لا يمكن التنبؤ بما ستفعله الدور المجاورة كما فعلت جارتها اليابان.

هذه المعضلة الأمنية سوف تستمر بدون توقف، كل دولة تبحث عن زيادة قدراتها العسكرية لتكون أقوى من جيرانها، ربما لخطة طموحة أو فقط لزيادة الحماية، لكن الدولة المجاورة لا تعلم بهذه النوايا، لذا ليس لديها حل إلا أنها تُزيد من قدراتها العسكرية هي الأخرى، وهكذا إلى أن يحدث الصدام بين الدولتين، ربما بشكل مقصود أو عن طريق الخطأ.

أمريكا والنظام الدولي

الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة المركز الأول في القوة العسكرية على العالم، هي بالطبع وبدون أي شك المسيطرة على الجزء الغربي من العالم – منطقتها، فالمواطن الأمريكي لا يمكنه أن يتفاجأ بهجوم على أرضه، فالولايات المتحدة في شمالها كندا وجنوبها المسكيك وعلى شرقها وغربها بحر، أو كما يقول البعض، على شرقها سمك وغربها سمك.

فالولايات المتحدة لا تخشى من هجوم مفاجئ أبدًا، ولا حتى من هجوم من جيرانها، لسبب بسيط فقط وهو قوتها العسكرية التي استطاعت أن تفرض سيطرتها على المنطقة من خلالها، وليس ذلك فقط، فالولايات المتحدة تمكنت على مر الزمن من بسط نفوذها في العالم أجمع، ببساطة لأنه ليس هناك من يقلقهم في منطقتهم فما المانع مع التوسع إذًا؟

لذا، فأي محاول لصعود دولة أخرى صعودًا عسكريًا سوف يهدد من نفوذها؛ لأنه ببساطة لا يمكن توقع نوايا الدول الأخرى حتى لو كانت حليفة في الوقت الحالي، فربما يتغير الوضع كما شاهدنا أمثلة كثيرة على مر التاريخ البشري.

الصين اقتصاديًا وعسكريًا

تحتل الصين حاليًا المركز الثاني عالميًا في الاقتصاد بعد الولايات المتحدة، وتستمر في التوسع ووصلت لأكبر الأسواق العالمية، وهي في المركز الثالث عالميًا من حيث القوة العسكرية بعد أمريكا وروسيا، ونرى أن الصين تهتم بتطوير عتادها العسكرية حيث تشتري الغواصات الحديثة وحاملات الطائرات والكثير من الأدوات العسكرية التي تدعمها ميزانية الجيش التي تحتل المرتبة الثانية عالميًا في الموازنات العسكرية.

في الحقيقة الصين لن تحتاج إلى بذل مجهود كبير لتحويل القوة الاقتصادية الخاصة بها إلى عسكرية، فلديها اقتصاد قوي وأكثر من مليوني جندي في الجيش حاليًا و19 مليونًا يمكن تجنيدهم سنويًا، فالصين حاليًا هي المركز الأول في عدد الجنود عالميًا وتليها الهند، ثم أمريكا.

لكن بالطبع خلال عملية التحويل ستصادفها الكثير من التحديات، فليس من مصلحة أحد سوى الصين أن تصعد عسكريًا، لا من جيرانها التي لا يُمكن أن تعلم نوايا الصين، أو من الولايات المتحدة التي لها نفوذ في الدول المجاورة للصين، ولا حتى من روسيا، تلك الإمبراطورية التي تُشارك الصين نفس القارة.

كلما زادت بقعة النفوذ للدولة كلما كانت أكثر قوة وأكثر تماسكًا، ليس المعنى من زيادة النفوذ هو السيطرة على الدول، لا بل التفوق عسكريًا عليها، الصين ستعمل على تعزيز قوتها العسكرية لتُهيمن على آسيا، لكن بالطبع روسيا لن تسمح لها بذلك، لكن تأتي مُعضلة الأمن مرة أخرى، حيث لا يمكن للصين توقع ما ستفعله روسيا؛ لأنها حاليًا أقوى عسكريًا من الصين.

فبالتالي هذا يضع الصين في موضع قلق، ولابد أن تعمل على زيادة قوتها العسكرية بمرور الزمن، وكذلك ستفعل روسيا وستُحاول أمريكا، تلك الدولة التي لها نفوذ في كل العالم، أن تمنع الصين من هذا التحول، وبالتالي ستحاول إخماد شرارة الاقتصاد الصيني الذي هو المفتاح إلى القوة العسكرية، سواء بفرض ضرائب ورسوم جمركية كما تفعل، أو من خلال إشعال خلافات داخلية، أو ربما حروب من نوع آخر غير مسموح به، لأن كل دولة تحاول أن تصبح هي المهيمنة على إقليمها، ليست بسبب طبيعة شخصيات معينة، ولكن بسبب طبيعة النظام الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد